الاقتصاد ليس كم نملك في حساباتنا البنكية، ولا كم ننفق على مشترياتنا، ولا كم نأمل أن تصبح عليه قدراتنا المالية في المستقبل، ولكن الاقتصاد رابطة وكيمياء بيننا وبين عالمنا الأوسع البعيد عن حالتنا الشخصية، إنه عالم المجتمع الذي فيه ومعه ومن أجله نمارس أنشطتنا الاقتصادية تلك، ونطوّر من قدراتنا، فالاقتصاد هو: هل جاري بخير؟ هل صديقي على ما يرام، هل شقيقي أو شقيقتي لا يواجه أي منهما مصاعب اقتصادية، ما هي التحديات التي تواجهنا لمواصلة مسيرة البقاء ثم التطوير والارتقاء دون عقبات كبرى؟

وهكذا فالاقتصاد ليس أرقاماً فحسب، إنه عاطفة وحب ولكل خير نأمله لأنفسنا ولمن حولنا. الاقتصاد قصة لعلاقة اجتماعية وإنسانية لا أبالغ إن قلت بأن الجانب العاطفي من هذه القصة والذي هو منسي دائماً، أن هذا الجانب أهم من الأرقام بكثير، لأن هذا الجانب المُهمَل هو الذي يصنع مفهوم الاقتصاد في نفوسنا، وهو الذي يتيح لنا ونحن نطلق العنان لكفاحنا اليومي في الحياة أن نفهم محركّات الاقتصاد الوطني من زوايا إنسانية وبشرية، وهذا الفهم هو الذي يقودنا لفهم والتعرف على الاتجاهات الاقتصادية الشخصية والجماعية التي نحتاجها في بلادنا، فأي دولة لا يمكن أن يكون لنا اقتصاد، ودون اقتصاد وطني كلي قوي، لن نصل لشيء على مستوى اقتصادنا الشخصي، فهل نحن حقاً مدركون لأهمية التحوّل من اقتصاد الاعتماد على الدولة كمحرك أساس لهذا الاقتصاد، حاملةً كل العبء على كاهلها، أم أننا بتنا أقرب للتجربة اليابانية والكورية الجنوبية على سبيل المثال، وهما التجربتان الرائدتان في تعزيز دور القطاع الخاص، والعمل الفردي والجماعي لإسناد اقتصاد الدولة، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة بعيداً عن تدخل الدولة بالدعم المالي، ما يجعل الدولة تلتفت إلى المشروعات الوطنية الكبرى كتطوير التعليم والخدمات الصحية والدفاع وغيرها من القطاعات الحساسة وشديدة الأهمية لأي من الدول؟

نحن والاقتصاد علاقة لا يمكن تجاهلها، ونحن اليوم وعلى عتبة عقد جديد يبدأ مع نهاية العام الميلادي الحالي، ندرك جيداً حجم التحديات المتنامية والمتعاظمة التي تواجه الاقتصاد العالمي ككل، وندرك أكثر وأكثر أن سياسة ترك الدولة وحدها في ميدان البناء هي سياسة كانت دوماً مرفوضة من قبل مجتمعات الدول المتقدمة، وهي المجتمعات التي أدرك مواطنوها مبكراً قيمة العمل في القطاع الخاص على مستوى المشروعات الكبرى، الصناعي منها والزراعي، واليوم التقني الذي يحمل شعار "الذكاء الاصطناعي" وهي التقنية التي توشك أن تغيّر وجه التاريخ الحديث.

التحديات ملح الحياة، وفي المملكة العربية السعودية التي لطالما واجهت تحديات، علينا أن نرفع شعار القطاع الخاص لبناء الدولة، وليس للاستفادة من الدولة فقط. القطاع الخاص لم ينجح إلا بدعم الدولة من جهة، وبدعم المجتمع من جهةٍ أخرى، ولكن آن الأوان ليصنع هذا القطاع نسخته الوطنية الحقيقية من التنمية البعيدة عن المفهوم الخدمي سريع الأرباح، فتطوير البلاد وإسعاد العباد في 2020 وما قبلها وما بعدها يعني الصناعة والتحول إلى اقتصاد صناعي متقدم، فهل تصل الرسالة لقطاعنا الخاص؟