أعلنت الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم الاثنين الماضي عن فوز بول ميلغروم، وروبرت ويلسون بجائزة نوبل للاقتصاد هذا العام، نظير مساهمتهما في تطوير نظرية المزادات العلنية، وقد تحققت فرصة العالمين في تطبيق نظريتهما عندما استعانت بهما هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية لمعالجة مشكلة توسع استخدام الاتصال اللاسلكي وعجزها عن الحصول على فائدة اقتصادية للحكومة الأميركية بمنهج التوزيع الذي كانت تتبعه حينها.

كانت هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية توزع حصص التردد اللاسلكي التي تمتلكها الدولة للقطاع الخاص بموجب تراخيص للاستخدام. كانت كل شركة ترغب في الحصول على رخصة تسعى لإقناع الهيئة بكفاءتها بناء على عرض تقدمه كل شركة بما يعرف بمسابقات الجمال، حيث تنفق كل شركة مبالغ كبيرة للترويج لنفسها، ورغم ما ينفق من أموال على حملات الترويج، والجهد الذي تبذله الهيئة في معالجة الطلبات، كان العائد الذي تحصله الهيئة قليلا، مع توسع استخدام الاتصالات اللاسلكية للهواتف النقالة، وجدت الهيئة أن الطلب يتزايد ويصعب تلبيته بالمنهج القديم، فقررت أن تمنح الرخص عشوائيا بـ"اليانصيب". حلت الهيئة مشكلة تزايد الطلب على خدمات الرخص، إنما مشكلة العائد مازالت قائمة، لم يكن حل "اليانصيب" مرضيا للجميع أيضا، فقد تسبب التوسع العشوائي في منح الرخص إلى تفتيت السوق، ما أدى إلى ضعف الخدمات ونشوء أسواق لتداول الرخص وتجميعها، عندها قررت الهيئة منح الرخص بالمزاد.

كان المزاد مناسبا لأنه يسمح بمقابل يقرره المزايدون لما تمثله الرخصة من قيمة تعود فائدتها إلى الحكومة، ويحد مما تراه الهيئة هدرا في الإنفاق على حملات الترويج أو سوق الرخص المستعملة. مع أن المزاد يحل مشكلة فهو يخلق مشكلة أخرى: كيف للهيئة أن تصمم مزادا يحقق عائدا مناسبا مع ضمان توزيع عادل للرخص؟، كانت المشكلة بالتحديد تتعلق بتأثير المزادات على بعضها حين تقام لمناطق جغرافية مختلفة، مما يضعف رغبة الشركات في الدخول في المزاد أو المشاركة الفعالة نظرا لخطر الوقوع في ما يسمى بلعنة الفوز، وهي تستمر الشركة في المزايدة على رخصة حتى يتجاوز سعرها قيمتها الحقيقية أو على الأقل متوسط تقدير المنافسين لقيمتها، كان توجيه مجلس الشيوخ للهيئة أن تجرب منهجيات مختلفة لتنفيذ المزاد حتى تصل إلى الحل المناسب، فكان الحل هو ما قدمه بول ميلغروم وروبرت ويلسون، حيث ابتكرا منهجية جديدة لمعالجة المشكلة نالا بها جائزة نوبل هذا العام.

إن المنهج الذي اتخذته الهيئة في البحث عن حل مناسب لمشكلة توزيع الرخص هو ما نعتبره منهج الابتكار التجريبي، وأساس الابتكار التجريبي هو ما وجه به الكونغرس الأميركي حين أقر المزاد لكن مع تجربة منهجيات مختلفة، مدركا أن الهيئة تخطو في منطقة لم تكتشف من قبل، وبقدر ما كان الحل مهما، كان إصرار الهيئة على إيجاد الحل المناسب بالتجريب المستمر مهما بالقدر نفسه.