إن كثيراً من الشخصيات التاريخية تعني للمسلمين الشيء الكثير من الرمزية والمثالية، فترك العابثين ينتحلون أسماء تلك الشخصيات حتى يتوغلوا في الجماهير ليروجوا أوساطهم أفكارًا لا تتوافق أبداً مع تاريخ ومنهج أولئك العمالقة الأعلام، فهذا يسيء ويؤثر كثيراً في توجهات وأفكار الأجيال..

لا يجد الكاتب أو المتكلم صعوبة كبيرة في وضع العناوين ورص الجمل لتوصيف الواقع، فمن السهولة الكلام والكتابة عن الحال التي وصلت إليه تقنية المعلومات من عكس الحقائق وتزييف الوقائع، وإلباس العراة ما يسترهم عن أعين متابعيهم، بل وإظهارهم في صور غير صورهم، وتجسيدهم في شخصيات وهمية لا تمت لحقيقة أجسادهم وأفكارهم بصلة، فربما رأيت أحدهم على "تويتر" أو على "السناب" أو في "الفيس"، أو على خلفية "واتس"، بطريقة صهر فيها صورته ومظهره في قالب من "السيلكون" الرقمي، تنبهر العين لجمالها، وتسبح الألسن خالقها لرونق جلالها، وما هي في حقيقتها إلا "ضغط أيقونة" في سناب مثلا، أو انتظار لحظات على تطبيق آخر كي يقوم بدور "الكوافير" لتسويق بضاعته.

ولا يقف الأمر هنا على تزوير وتنكير المظهر حتى يجعلك تتمنى أحيانًا ألا ترى ذاك الشخص إلا في صورته الإلكترونية للبون المهول بين الحقيقة والخيال، بل تعدى التزوير الرقمي إلى انتحال الأفكار والعبارات والكلمات، حتى يخيل إليك - أحيانا - أنك في صفحة يديرها ابن المسيب أو الحسن البصري، من قوة الحكم ودقة العبارات الموجهة والمقصودة، والمعمدة أحيانًا بتوقيع يوحي بملكية المقالة أو الجملة، وربما تخطى أسوار "النسخ واللصق" إلى ادعاء أنه قد سبق بالفضل بما يقرره في تغريداته وينشره في ادعاءاته، فيرقى إلى النيل من أهل الفضل والصلاح، ويترقى للتشكيك في الفقه والعقائد والأصول والثوابت، فيرسم من نفسه ممدوحًا بالإعجابات والتفضيلات والتعليقات والسيلفيات، بينما هو أشد على الحق من ذاك الذي قال له رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -: "كل بيمينك" قال "لا أستطيع"، قال: "ما منعه إلا الكبر"، وتجده على أهل الحق والإسلام رافعًا شعار {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}!.

هذه هي حقيقة كثير من تلك الشخصيات الوهمية التي قد تجدها تزايد وتزايد على كثير من أبناء الوطن المخلصين في انتمائهم فلا يترك كبيرًا ولا صغيرًا إلا وسل عليه سيف النقد المثلم من أعراض أهل الحق والصدق.

وليس ذلك فحسب، بل نتحدث بإيجاز عن تلك الشخصيات والصفحات التي تتقمص أسماء وشخصيات من "سلفنا الصالح" وتشتهر تلك الصفحة بذاك الاسم حتى يستقر في نفوس كثير من المتابعين أنه يتابع شخصية عظيمة القدر، فإذا به يتفاجأ يومًا ما، وفي لحظة نشوة لسيلفي صاحب الصفحة ليجد شخصًا بينه وبين تلك الشخصية مسيرة ألف عام أو تزيد، وفي الحديث: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» ليس ثوبًا واحدًا، فكيف بمن تشبع بتقمص شخصية فيها من المحاسن ما يعجز عن حصرها المعجبون بذاك المتشبع وإن تملينوا.

إن كثيرا من الشخصيات التاريخية تعني للمسلمين الشيء الكثير من الرمزية والمثالية، فترك العابثين ينتحلون أسماء تلك الشخصيات حتى يتوغلوا في الجماهير ليروجوا أوساطهم أفكارًا لا تتوافق أبدًا مع تاريخ ومنهج أولئك العمالقة الأعلام هذا يسيء ويؤثر كثيرا في توجهات وأفكار الأجيال، بل وفي أخلاقهم، حيث إن تصور شخصية مثالية وتخيلها وقياسها بما يفعله المتشبع في بعض سيلفياته وظهوره يميت في قلوب الأجيال القيم المثلى والأخلاقيات الرفيعة التي كان يحرص عليها أولئك في أقوالهم وأفعالهم، ويرسخونها منهجًا نقل إلينا بأدبيات وفقهيات جابت الأرض وارتضاها الشرق والغرب، وجعل من تلك الشخصيات التاريخية رموزًا علمية وأدبية ترسخت في أذهان كثير من الأجيال في مدارسهم وشوارعهم ومتاحفهم ودروس تواريخهم حتى جاء هؤلاء المتشبعون والمتقمصون لتلك الشخصيات وبكل برود يعرضون تلك الشخصيات على ملايين المشاهدين والمتابعين بطريقة سمجة هلامية الأبعاد لا روح لها غير ذاك المتشبع العابث.. هذا، والله من وراء القصد.