العالم يغلي، يحترق يغرق يغرق في رماد براكينه ويفقد خضرته وتنوع أحيائه ويتحول مرجان محيطاته للرمادي وتموت بالمئات أضخم حيواناته بفعل طحالب سامة يسببها تسخينه الحراري، بعد فناء الديناصورات لم تنجح الأرض في توليد حيوانات جبارة، وحتى الحيوانات التي نجحت في البقاء بأجساد أكبر من بحور الصغار ها هي تنفق، وحيد القرن لم يبق منه غير زوج وحيد عجوز يحلم العالم بإمكانيته تلقيح وحيد قرن جديد.. الفيلة تتناقص بأعداد مخيفة، قريباً لن يبقى من جبار على سطح الأرض غير هذا الكائن الفاتك (الإنسان).

كل ذلك تنبأ به ومنذ العام 1979 عالم البراكين والبيولوجي البولندي البلجيكي الفرنسي (هارون تازييف Haroun Tazief) من مواليد وارسو العام 1914 والمتوفى في باريس 1998، هذا الرجل المتعدد في مجالات إبداعه، والذي أغرم في حياته بالبراكين والقوى الجبارة التي تمثلها في هياجها وما تلفظه من ذخائر باطن كوكبنا الأرض، ولقد تكرس لهذا العشق حيث اشتهر بصفته المصور السينمائي المتخصص في تصوير الانفجارات البركانية وتدفق الحمم واللافا الحارقة والتي لن تلبث أن تتحول لتربة خصبة لانبثاق الحياة من جديد، ولقد ألف عدداً من الكتب حول ذلك. عشق هارون تازيف لكوكب الأرض كان أصيلاً، حيث عمل جاهداً لدق أجراس الخطر للتنبيه لما ستحدثه ممارسات الإنسان الجائرة واستنزافه لمقدرات الكوكب، لقد وصف بالتفصيل وقبل عقود من الزمان متنبئاً بما نشهده الآن من فيضانات وأعاصير وحرائق وإبادة للتنوع الحيوي على سطح الأرض والناجم عن التسخين الحراري الناجم عن الاحتباس الحراري الناجم عن تزايد معدلات غاز الـ (ثاني أكسيد الكربون CO2)، هذه الدائرة الشيطانية المفرغة التي يعجز عالمنا عن كسرها والنجاة منها.

وربما تأثر هارون تازيف في طفولته بالمزيج في المهن التي تقلدها والداه، حيث جمع بين الحس الإنقاذي والشفائي لوالده الطبيب المسلم بالإضافة للوعي بالطبيعة والسياسة من والدته البولندية الكيميائية والحاملة لدكتوراه في العلوم الطبيعية وبكالوريوس في العلوم السياسية، رجل بين الدفاع عن الطبيعة وبين الانضمام لصفوف السياسيين وعجلة النماء بلاحدود (حيث تقلد منصب وزير في حكومة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ليكون مسؤولاً عن الحماية ضد المخاطر الكبرى، وكان أعظم همه حماية كوكب الأرض لضمان بقاء البشر، هذا ولقد شكلت مغامراته قاعدة للباحثين في هذا المجال وبالذات في تغطيته لظاهرة البراكين، ونجد ذلك في فيلم الناشيونال جيوجرافيك المسمى (The Violent Earth)، الذي يغطي رحلات تازيف إلى البراكين وجبل إتنا في صقلية وجبل نيراجونجو بجمهورية الكونغو الديموقراطية العام 1972 حيث حاول، دون جدوى، النزول إلى بحيرة الحمم البركانية النشطة من أجل جمع عينات من تلك الحمم.

حياة حافلة بالغريب عاشها تازيف لكأنما محفوفة بالجثث المؤجلة ابتداءً من جثة والده الذي مات كجندي في الحرب العالمية الأولى ولم يعلم بوفاته إلا العام 1919، وانتهاءً بجثة المستكشف مارسيل لوبنز، الذي شاركه تازيف باستكشاف كهف "سان مارتن" لا فيرنا في جبال البرانس الفرنسية، حين انكسر بمارتن كابل الرافعة أثناء صعوده لوجه بيير سان مارتن الصخري، وسقط أكثر من 80 مترًا بمرأى من عدسة تازيف في احتضار استمر لـ 36 ساعة، جثة لم ينجح في انتشالها من الكهف إلا بعد عامين في 1954.

حياة يميزها الحس العالي بالمسؤولية تجاه البشر والحياة عموماً.