صدر مؤخراً عن دار كلمات في الكويت كتاب الأمير صاحب الكأس الصغيرة للكاتبة الفرنسية إميلي دو دوتوكهايم بترجمة أنيقة للكاتب والمترجم المغربي سعيد بوكرامي. جاء في مقدمة الكتاب أن حكاية رزا، الأمير صاحب الكأس الصغيرة، الهارب من ويلات الحرب وأهوال الهجرة، ومن بلاد العنف إلى منافٍ لا تعد ولا تحصى. منذ بداية أوديسته وهو يفقد أيامه السعيدة التي تنثال متساقطة كأوراق الخريف، يفقد الناس الذين أحبّهم والأشياء الثمينة، يفقد الأسرة والوطن، ويبقى مُحلّقًا بين غابات وجبال وبحار وسجون. يحاول أن يحط كطائر مُهَجَّر فوق غصن أو عش، لكنه في أغلب الأحيان يلاقي الحواجز والضغوطات. وفي النهاية، لم يستطع الاستقرار إلا بمساعدة قلوب رحيمة استضافته في بيتها، واعتنت به إلى أن أصبح قادرًا على العيش بكرامة وحرية. حكاية مؤلمة عن حروب مجنونة، ومنافٍ موصدة ومحاصرة لا تسمح للأحياء بعبور حدودها والاستقرار بها، منافٍ أشد قسوة من الحرب نفسها.

تكتب إميلي دوتوكهايم هذه الحكاية بلغة شاعرية لا تشبه إلا نفسها، تتماهى مع طريقة سرد اليوميات، حيث يغلب الوصف والجمل القصيرة، لكن الكاتبة تبحث في كتابتها عن تماثل حقيقي مع الواقع بصدق وحب تارة، وبقلق وحزن تارة أخرى، هدفها توثيق حالة إنسانية، لهذا نجد لغتها في بعض الأحيان عارية من تلوينات البلاغة، تنقل الواقع كما هو قلبًا وقالبًا، فيأتي تارة جارحًا وصارخًا ومفجعًا، وتارة أخرى مداويًا وحميميًّا ومبهجًا وشاعريًّا ومطعمًا بنصوص شعرية بديعة.

يثير عمل الكاتبة الفرنسية إميلي دوتوكهايم أسئلة كثيرة، مثل قيمة الشهادة في الأدب وقوة كتابتها. لا يمكن اختزال عملها إلى مجرد يوميات مكيفة في إطار سردي، بل إن كتابتها ترقى إلى مرتبة الشهادة في الأدب.

تستخدم إميلي صوت ضميرها وأصوات من يشاركونها حياتها. هذه الأصوات هي وحدها التي تملك القدرة على إعطاء الحقيقة عن العالم، لهذا تتخذ من شخصية رزا ذريعة للتنديد بالحرب ومشاكل المهاجرين اللاجئين وصعوبة اندماجهم في مجتمع يرفضهم تقريبًا. يعدّ بطل الرواية «رزا» الشاب الأفغاني القادم من جحيم الحرب والمارّ بأهوال العبور من منفى إلى منفى بطريقة سرية مؤلمة وفجائعية. هذا الصوت المجروح هو ممثل لأصوات اللاجئين الذين كانوا ومازلوا ضحايا لحرب غريبة عنهم، شوهت ذاكرتهم ووجدانهم، ودمرت كل السبل ليعيشوا حياة كريمة برفقة أسرهم، وهي التي دفعتهم إلى المغامرة بأرواحهم لعبور الحدود والحواجز المحاصرة والوديان والبحار المميتة.

هذا أدب شجاع يستنكر أشياء كثيرة دمرت القيم الإنسانية. وبالمقابل توفر لنا إميلي قيمة أدبية وجمالية من خلال التلاعب بالسرد ووجهات النظر غير العادية لإنسان نكتشفه تدريجيًّا برفقة الكاتبة، ونعيد اكتشافه من خلال حياته اليومية القاسية، لأن الطابع التدويني لليوميات يمنحنا هذا الوعي. كما لو أننا نعيش، نحن أنفسنا، تفاصيل إقامة رزا وتحولاته، يومًا بعد يوم، وحدثًا بعد حدث.

تقدم إميلي الواقع في درجته الصفر دون مساحيق لتظهر لنا وجوهه وأقنعته كلها: تشوهات الحرب وحياة التشرد بعدها، أوضاع اللاجئين في فرنسا، الرحلة الشاقة والقاتلة التي يخوضونها بأجسادهم وأرواحهم لكي يبقوا على قيد الحياة.

قالت الروائية النوبلية سفيتلانا أليكيفيتش أثناء تسلمها جائزة نوبل أمام الأكاديمية السويدية: «كم من الروايات تختفي دون أثر لأننا لم نعرف كيف نستمع إلى العالم؟». هناك شبه كبير بين كتابة سفيتلانا أليكيفيتش وإميلي دوتوركهايم يبرز هذا التماهي في رواية الحقيقة حول العالم، سواء بلغة توثيقية أو أدبية، لأن المهم هو أن نكتب صوت العالم. كيفما كان القالب الأدبي، فيجب أن يكون المحتوى أدبًا مقلقًا ومزعجًا يأبى الاستكانة وإراحة الضمير، يتجاوز الصمت والمسكوت عنه لكشف الحقيقة التي قد تصدم القارئ وترجّه رجًّا كي يعيد النظر إلى العالم بعين مغايرة.

ولعل ما يعزز هذا الانطباع استعمال الكاتبة «ضمير المتكلم» في هذا العمل الأدبي بحيث يعطي انطباعًا قويًا للقارئ إلى الإصغاء والتماهي باهتمام لما يحدث للشخص الذي يجرؤ على التعبير بصراحة عن مشاعره ومشاعر الأشخاص المقريبن منه. من المفترض أن يكشف «المتكلم» عن حقائق معروفة لا جدال حولها. يبدو الأمر كما لو أن هناك تواطؤًا بين «المتكلم» الذي يروي والشخص الذي يقرأ، لهذا ينشأ عقد من الثقة بين الكاتب والقارئ، فتصبح الحياة اليومية قصة يرويها القارئ ويأخذها على محمل الجد أكثر من حكاية أخرى تروى بضمير الغائب.

في الواقع كتابة إميلي تقف عند المسافة بين الأدبي والإنساني، حيث يحدث كل شيء من أجل تمجيد الإنسان وتطويب جوهر الأدب وتجديد نسغ الجمال.