قد يتساءل البعض عن أهمية كتب الرحلات والسير الذاتية، والفائدة التي تعود على القراء منها، يقول عبدالله بن حمد الحقيل رحمه الله: "إن أدب الرحلات فن متميز، ومعلم بارز وأثر حيوي من معالم الثقافة والمعرفة، وهو يتطلب ثقافة وعلماً وفكراً، فالقارئ يطل منه على أنماط مختلفة، وصور من صور الحياة، وأشكالها المتباينة، ويرى ويشاهد من خلالها عوالم واسعة، يستقرئ واقعها، ويتعرف على بيئاتها، وحياتها"، لذا يمثل كتاب (من رحلات الشيخ المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى 1270-1343هـ) وهو للباحث يوسف بن عبد العزيز المهنا، من اصدارات دارة الملك عبدالعزيز، أحد الإضافات الهامة لهذا الأدب، وهي أهمية تنبع من أهمية صاحبه، والفترة الي عاصرها، فقد وُلد الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى عام 1270هـ، وهي فترة زمنية اتسمت بعدم الاستقرار، وكثرة الحروب، وتحتاج من الأجيال الحالية لمعرفة ما دار فيها، فمن لا ماضي له لا حاضر له.

وتأتي أهمية الرحلات التي يحتويها الكتاب من حرص الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى (رحمه الله) على التوثيق لأدق التفاصيل، والتي كانت تتخلل حتى رسائله التي يرسلها، أو يستقبلها من أبناء عمومته في شقراء، وباقي أسرته، وما تعكسه من أخبار تلك الفترة، وأحداثها، ومنها ما يتعلق بوباء الجدري عام 1337هـ، وما أحدثه من وفيات، تماثل ما يحدث اليوم بسبب وباء كورونا.

من شقراء إلى الهند

يحتوي كتاب (من رحلات الشيخ المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى 1270-1343هـ) عدة رحلات علمية قام بها ابن عيسى، إلى حائل، والرياض، وعنيزة، والهند، منطلقاً من شقراء، الى الاحساء مروراً بالرياض وقد امتدت رحلة الهند لأكثر من عام، بداية من 1323 هجري وسجل فيها الطرق والجبال والمدن، والأودية، التي مر بها، وكانت حافلة بالكثير من الفوائد العلمية.

وقد جاء الكتاب بهيئة تشبه الدراسة البحثية المتعمقة، فاحتوى مقدمة، رصدت أبرز رحلات الشيخ ابن عيسى، وهي رحلة الهند، والتي لم تُنشر من قبل. ثم تناولت المقدمة أهمية الرحلة العلمية في التراث، بصفة عامة، والجزيرة العربية بصفة خاصة، وطبيعة الطرق التي كانت بعصر المؤرخ، والقوافل الممتدة من نجد إلى الأحساء، وسرد لأسماء العلماء، الذين رحلوا من نجد إلى الهند. ويمتاز الكتاب بالمخطوطات التي ترصد رحلات الشيخ ابن عيسى، كما يورد نصوص الرحلات التي كتبها الشيخ رحمه الله، أما الختام فأورد فيه المؤلف ملحقًا يتضمن صورًا للوثائق، التي استعان بها في تأليف هذا الكتاب.

التعريف بالمؤرخ

هو الشيخ إبراهيم بن صالح بن إبراهيم بن محمد بن عبدالمحسن بن حمد بن عبدالله بن عيسى، وقد وُلد في أشيقر، ونشأ في جو ديني وعلمي، وحفظ القرآن الكريم صغيراً عن ظهر قلب، وتتلمذ على العديد من العلماء، وقرأ عليهم في التوحيد والفقه وعلوم الحديث، والفرائض والنحو وعلوم الشعر وغيرها، وله عدد من المنسوخات من أبرزها: كتاب "تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد"، وكتاب "عقد الدرر فيما وقع في نجد من الحوادث في آخر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر"، وكتاب "تاريخ نجد"، ورسالة عن علماء بلدة أشيقر، ومصنفات أخرى، تؤكد أنه كان موسوعة علمية، ونهراً لا ينضب من العلم، والمعرفة.

وللمؤرخ رحمه الله "دار تاريخية باسمه في البلدة التاريخية بأشيقر، تحتوي بعضاً من كتبه ولوحات زينت برسم تخيلي له وبعضاً من مؤلفاته والسيرة الذاتية له رحمه الله، وقد افتتحها منذ عامين تقريباً، محافظ شقراء الأستاذ عادل البواردي، ورئيس مركز أشيقر الاستاذ عبد الله الضويان واحفاد المؤرخ وبحضور عدد كبير من الأعيان، والمهتمين بالتاريخ، والقى الشيخ أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري محاضرة عن المؤرخ أدارها الدكتور احمد البسام وقدم لها الدكتور عبد اللطيف الحميد، كما زار الدار معالي د. فهد بن عبدالله السماري امين عام دارة الملك عبدالعزيز، حين عقدت الدارة ندوة عن المؤرخ ابن عيسى في اشيقر في ربيع الاول من عام 1440 هجري، وقيل الكثير في المؤرخ ابن عيسى من المدح، ومن ذلك ما قاله أحد تلاميذه، الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر: "كان الشيخ إبراهيم بن صالح في بداية طلبه العلم يتجول في البلدان، وإذا ما وجد ما يعجبه من الفوائد نقله بخط يده، وكان لا ينفك في غالب أوقاته من المطالعة، حتى إذا خرج من بيته أخذ معه بعض المجاميع التي هي بخط يده" رحمهم الله، توفي في عنيزة 1343 وشيّعه الكثير من الناس رحمه الله.

من رحلات المؤرخ
الباحث يوسف المهنا، المؤلف
المؤرخ في رسمة تخيلية للزميل المسيهيج