«ضاع كل شيء! سيداتي سادتي ضاع كل شيء!».

لم تكن رواية الكاتب النرويجي كنوت هامسون «الجوع» لعام 1890، في ظاهرها، مرشحًا واعدًا لتحويلها إلى تحفة فنية من أفلام السينما العالمية. إنه كتاب جيّد حقًا، والكتب الجيّدة تميل إلى أن تصبح أفلامًا سيئة، والروايات العظيمة لا تصنع دائمًا أفلامًا رائعة. هذا صحيح! ولكن هذا الفيلم جيّد ورائع بالفعل. أو دعونا نقول إنه يقترب تمامًا من الرواية.

في أواخر القرن التاسع عشر بمدينة كريستيانيا - أوسلو حاليًا - ننظر إلى البطل وهو يتكئ على حافّة الجسر بطريقة جذّابة وغامضة. يُعرض علينا التعليق النصيّ «كريستيانيا 1890».

في الجزء العلوي من صورة الفيلم، ويمكن رؤية المشهد الأول من وجهة نظر سردية مماثلة لتلك التي نجدها في الجملة الأولى من الرواية: «حدث هذا في تلك الأيام التي كنت فيها مشرّدًا أتضور جوعًا في مدينة كريستيانيا...».

كيف تصنع فيلمًا من قصة تتبع هذا المتشرّد الجائع حول مدينة من القرن التاسع عشر؟

شيء واحد تفعله في البداية هو اختيار ممثل مذهل يستطيع تقديم أداء عظيم يتناسب مع عمق الحكاية كالممثل السويدي «بير أوسكارسون». والذي قام بأداء العمر باعتباره الشخصية الرئيسة في الفيلم، وعلى عكس الرواية يطلق عليه اسم (بونتوس) النحيف بشكل مؤلم، يرتدي بدلة ضيّقة رثّة، ويحمل على الدوام حزمة من مقالاته غير المنشورة. إنّه يتحرّك بحركات سريعة وحادّة ومتردّدة، ويظلّ يغمغم لنفسه باستمرار حول مدى نجاح أيّامه.

يقدّم المخرج «هينينج كارلسن»، صورة للحياة على الهامش تكون في نفس الوقت غنائية ومخيفة ووحشية، لا توجد قصة تقليدية مرتبطة بهذا العمل؛ إنها مجرّد سلسلة من الحوادث النفسية التي تم لعبها في إطار واقعي، إن المسارات الداخلية للبطل وانعطافاته هي قلب القصة: التململ، الأرق، الصمت، البؤس، الظلام، القلق، كل هذه المشاعر القوية حادة للغاية، وقد تم رسمها مباشرة في وجه (بونتوس) بشكل ساحر ومؤلم.

حقق الفيلم نجاحًا ملحوظًا، وعلى الرغم من اختلافه في نواح عن العمل الأدبي، إلا أنه صادق في جوهره، بالطبع، يجب أن يذهب معظم الثناء إلى المخرج الرائع الذي صوّر الفيلم بالأبيض والأسود، وهو العامل الأكثر أهمية في استعادة العاصمة النرويجية في العام 1890. وربطه بشكل أوثق بالصور التي تتوافق معها من ضوضاء الشارع، وقرع أصوات الخيول، وصوت أقدام العمّال والسيدات.

يقول مخرج الفيلم «كارلسن»: من أسباب بقاء الفيلم على قيد الحياة أننا صنعناه بالأبيض والأسود، ولكن يجب منح قدر كبير من نجاح الفيلم للممثل «بير أوسكارسون»، الذي لعب دور البطل مع كل ثقة تشابلن وكيتون معًا، وقد نال على هذا الأداء جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان السينمائي العام 1966، وهو مستحق بالتأكيد. «الآخرون هم الجحيم» سارتر.