يشهد العالم تحولاً جوهريًا في التقنيات الرقمية يُسهم في توفير إمكانات جديدة ونوعية في مختلف القطاعات، وذلك بدءًا من استخدام الآلات الذكية، مرورًا باستخدام الطائرات المسيّرة وتوظيفها في كثير من الأعمال. فالتقنيات التي كانت محصورة في السابق على مجالات الخيال العلمي أصبحت جزءًا أساسًا من الحياة. ولأننا في أرامكو السعودية نواكب تحديات واستخدامات الرقمنة فقد ساعدتنا هذه التقنيات الجديدة في تحقيق إنجازات كبيرة تتعلق برفع معدلات الكفاءة والسلامة والحد من الأثر البيئي لأعمالنا. وقد أدرج المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام 10 مشاريع جديدة من مختلف أنحاء العالم في شبكة المنارات العالمية، والتي تُكرّم المرافق التصنيعية العالمية التي تحقق تقدمًا بارزًا في تبنّي تقنيات الثورة الصناعية الرابعة. ويرفع هذا العدد الإجمالي للمشاريع المدرجة في المنارات العالمية إلى 54 مشروعًا، وليس من قبيل المصادفة أن اثنين من تلك المشاريع طورتهما أرامكو السعودية. وأصبحت منشأة خريص، والتي تُعد مسؤولة عن جزءٍ كبيرٍ من إنتاج النفط في أرامكو السعودية، أحدث مرفق ينضم إلى هذه النخبة وذلك بعد إدراج معمل الغاز الرائد في العثمانية في عام 2019م. وأرامكو السعودية هي واحدة من تسع شركات ممثلة في هذه الشبكة بأكثر من مرفق، وهي شركة الطاقة الكبرى الوحيدة في القائمة. ويُعد هذا حدثًا مهمًا وشهادةً على التقنية الريادية والابتكار في هذا القطاع. وفي النقاشات التي تتناول المستقبل، ينظر لقطاع الطاقة على أنه الأقل حظاً من حيث تطبيق التقنيات الجديدة والابتكار.

والحقيقة هي أن قطاع الطاقة عالي التنافسية، وهذه الحقيقة تقود عملية تعزيز الأداء على الدوام، لذلك تحدونا الرغبة الدائمة في تحقيق المزيد من المكاسب من حيث الاستدامة. وقد حفّزت هذه العوامل انطلاق موجة جديدة من مبادرات التطور التقني في قطاع النفط الخام والغاز. وتعمل أرامكو السعودية على تطبيق حلول الثورة الصناعية الرابعة في كافة أعمالها، بدءًا من أعمال التنقيب، وتطوير أعمال التكرير والمعالجة والتسويق، وتحسين الكفاءة، والحد من الانبعاثات، وتعزيز الموثوقية، وتقليل تكلفة الإنتاج، وإطلاق العنان لفرصٍ جديدة. ويُعد مرفق خريص مثالاً ساطعًا على ذلك، حيث يشتمل هذا المرفق على أكبر حقل نفط ذكي في العالم، وقد تم تجهيزه بتقنيات إنترنت الأشياء الصناعية، والتوأمة الرقمية التي تتيح مجال التشغيل عن بُعد باستخدام برمجيات الواقع الافتراضي ثلاثي الأبعاد الآنية. ويُسخِّر الموقع تحليلات البيانات الضخمة، وأجهزة الاستشعار الذكية، وأكثر من 500 مضخة كهربائية غاطسة، والتعلم الآلي لتشخيص تلك المضخات، وجهاز محاكاة فيزيائي متعدد أيضًا لهذه المضخات، ومحرك تعلم آلي لتحديد مواقع الخلل ونظام للتنبؤ بالعمر الإنتاجي المتبقي. وتقوم الروبوتات الصناعية والطائرات المسيرة بأعمال التفتيش في خريص، مما يؤدي إلى تحسين القدرات التشخيصية والكفاءة. ويعد خريص كذلك أول حقل نفط مزوّد بنظام التحكّم المتقدّم بالعمليات لتعديل معدل الإنتاج الذكي، ومع استخدام هذه التقنيات حصل على براءتي اختراع لتطبيق ذكي لمراقبة الأداء يستخدم التحليلات التنبؤية والوصفية لتحسين استهلاك وقود الغاز، مما يُسهم في توفير الوقود، والحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. كما أن نظام إدارة خطوط الأنابيب يوفر إمكانية الكشف عن التسرب في الأنابيب مع تنبيهات أمنية آنية باستخدام أجهزة استشعار بالألياف الضوئية تعمل على مدار الساعة مما يؤدي إلى تحسين السلامة والأداء البيئي. وقد ساعدتنا هذه التقنيات المتقدمة في الحد من الاستهلاك الإجمالي للطاقة في خريص بنسبة 18%، وتخفيض تكاليف الصيانة بنسبة 30%، والتقليل من عدد مرات الفحص بنسبة 40%. إضافةً إلى ذلك، عززت هذه التقنيات الموثوقية بنسبة 50%، وزادت عدد مرات الاستجابة التشغيلية بنسبة 100%. وساعدت التقنية أيضًا في ضمان عدم توقف الإنتاج أثناء جائحة فايروس كورونا المستجد، وأدّت لإحداث تغييرات جوهرية في الوظائف دون استبدالها، فقد شهد 65%من العاملين في إدارة الإنتاج في خريص تغيرًا في أعمالهم. فعلى سبيل المثال، كانت أغلب أنشطة المعامل وحقول النفط، قبل التحوّل الرقمي، تحتاج تدخلاً بشريًا ماديًا، وكان الخبراء يحددون التعديلات والتعزيزات اللازمة للعمليات. ويقوم المشغلون الآن باتخاذ القرارات بناءً على المعلومات الواردة من خلال أنظمة التحكم الآنية التي تستخدم إنترنت الأشياء. ولا يمكن تحقيق مثل هذه الإنجازات إلا عبر الاستثمار المستمر في قطاع النفط الخام والغاز من خلال تحسين الأعمال، ويمكن لقطاع المواد الهيدروكربونية الإسهام بصورة أكبر في تحقيق مستقبل أكثر استدامة، والقيام بدور رئيس في تحقيق التقدّم في التحوّل نحو الطاقة النظيفة. ويجب ألا نغفل هذا الهدف رغم الأثر المالي لجائحة فيروس كورونا المستجد على قطاع الطاقة بأكمله حول العالم. ومع توقعات وكالة الطاقة الدولية في شهر مايو الماضي بشأن الاستثمار في الطاقة في عام 2020م، يجب التركيز على اتخاذ القرارات الذكية وضمان تعزيز التقنية التي نطبقها اليوم لقدرتنا على تلبية حاجات المستقبل. وبالنسبة لقطاع لطاقة، فذلك لا يشمل فقط تقنيات الثورة الصناعية الرابعة التي تحسّن الكفاءة والقدرات التشغيلية، بل يمتد إلى الابتكارات التي تُسهم في الحد من الانبعاثات، وجعل شبكات الطاقة أكثر استدامة. وفي هذا السياق، فإن شبكة المنارات العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي تذكّرنا بقدرة الابتكار الصناعي على ربط أصول التصنيع الحقيقية بالقدرات الرقمية المتطورة لتحقيق أداء أفضل من حيث السلامة والاستدامة. ومن واقع استخدامنا المتطور للرقمنة في أعمال الشركة، نفخر بأن المنتدى الاقتصادي العالمي كرَّمنا على جهودنا في هذا المجال الحيوي، ونحن على ثقة في أن ريادة أرامكو السعودية في مجالات النفط الخام والغاز ستعزز تمثيل قطاع الطاقة في شبكة المنارات العالمية خلال الأعوام المقبلة.

*نائب الرئيس وكبير مسؤولي التقنيات الرقمية في أرامكو السعودية