هذه حروفٌ حفرتها بقلبي قبل حرفي، ونطقت بها مشاعري قبل لساني، كتبتها وكُلِّي شكر وامتنان وعرفان لأمير الحب الإنسان، صاحب السمو الملكي، الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة، على مواساته وتعزيته لي ولكافة الأسرة في وفاة فقيدنا الراحل، سيدي الوالد الشريف ناهض بن محسن - رحمه الله - والتي كان لها عظيم الأثر في تخفيف مصابنا، فما غادرت المقبرة بعد دفنه - وسع الله في مضجعه - إلا وتلقيتُ من سموه اتصالًا راقيًا ساميًا، برقي سموه، نثر فيه أجمل عبارت المشاطرة في الحزن، وأصدق مشاعر المواساة في عزائنا وعزمه على القدوم بنفسه للعزاء، لولا ظروف جائحة كورونا وإجراءاتها الاحترازية. وهذا هو المعهود من سموه دومًا مع كل أهل طيبة، بل مع كل من عرفه، فهو أمير لطيبة ينشر فيها الحب في جوار النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، الذي علمنا المودة والحب، وليس هذا فحسب، فسموُّه قد جعل ساكن طيبة ومنطقتها في صحته، وتعليمه، واكتفائه، وراحته في دينه ودنياه، وخدمة زائري مسجد ومدينة رسول الله وتطويرها وتنميتها، في أسمى مقامٍ، وأجل عزٍ وإكرام، مترجمًا كلمةً له قالها قبل سنوات عن المدينة سيدة البلدان: (الإنسان قبل المكان)، فكان هذا دأبه ومنهجه على الدوام مع جيرة رسول الله، وظل شعاره دومًا إن العمل بإخلاصٍ وصمتٍ أبلغ في الأثر وأعظم في الأجر، حتى باتت كلمته العزيزة تلك واقعًا ملموسًا.

فوجدنا الإنسان في صحته، وقد تمثل ذلك في تحويل مستشفى الميقات إلى مستشفى تخصصي. ووجدنا الإنسان في عبادته، وذلك في مقترحه لنقل المحْراب في المسجد النبوي لمحراب رسول الله الأساس، وما نتج عنه من محاسن وتسهيل للزوار والمسلِّمين على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد احتفى وأشاد بذلك علماء البلاد والعالم الإسلامي أجمع. ووجدنا الإنسان في تعظيمه لكتاب الله وسنة رسول الله، متجليًا في عنايته وحرصه على حفظة كتاب الله، فلا تكاد تمر مناسبة لهم طيلة وجوده في المدينة إلا ويشاركهم فيها، فكم شارك الحفاظ ممن أتموا حفظ القرآن في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويتجلى هذا الإجلال والتعظيم كذلك في إنشاء مجمع الملك سلمان للحديث النبوي الشريف. ووجدنا الإنسان في تراثه المعرفي، في تشييد مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية، ووجدنا الإنسان في المحافظة على هُويته الحضارية والعمرانية في مشروع الأنسنة، وكذلك في إبراز جماليات المسجد النبوي في إعادة تأهيل جداره القبلي. ووجدنا الإنسان في بيئته، في إعادة تأهيل العديد من أودية المدينة، ومنها ما جاء النص النبوي بفضلها، كوادي العقيق الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:(أتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِن رَبِّي، فَقالَ: صَلِّ في هذا الوَادِي المُبَارَكِ). ووجدنا الإنسان في زراعته، في مشروع إيصال المياه المعالجة لمزارع حاضرة المدينة. ووجدنا الإنسان في جائحة كورونا، في تحقيق أعلى المعايير من الإجراءات الوقائية والاحترازية والصحية وكذلك الإنسانية، كمبادرة خير المدينة التي عمَّ نفعها ذوي الحاجة والفاقة فيها. ووجدنا الإنسان وتقدير جهوده وعمله في هذه الجائحة، كتقديره لتضحيات الممارسين الصحيين بإطلاق اسم الممرضة الراحلة المتوفاة بفيروس كورونا جود الخيبري - رحمها الله -، على المستشفى الميداني الجديد الذي سمي (مركز جود الطبي). ثم وجدنا الإنسان اليتيم في قرة عينه ومحط نظره جمعية تكافل لأيتام مدينة رسول الله، حتى يكون معه في آخرته كما جاء قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا وكافل اليتيم كهاتين) وأشار بإصبعيه الشريفة بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم. إن الكلام في ساكن المدينة الإنسان، في قلب وفكر الفيصل بن سلمان، لا عد له ولا حد، وكل من يكتب سيقف حائرًا ماذا يأخذ من الكلمات ويدع؟! ولا أملك إلا أن أقول له وفيه: اللهم وفق عبدك فيصل بن سلمان لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، واجعل عمله في رضاك، وطريقه في هداك، وسدده وأيده، وكن له ظهيرًا ومعينًا، واكلأه بحفظك وعنايتك ورعايتك. واجعله من المباركين في كل شأنه، والمقبولين في جميع أمره.

هذه كلمات كتبها مكلومٌ بفقد أبيه، وكسيرٌ بمفارقة أحن الخلق عليه، تحرى فيها كلمات صدق ووفاء لمن يستحق الوفاء.

*عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة