الغريب أن الحديث عن العيش البسيط دائماً ما يكون معقداً، فالبساطة هي أسلوب حياة كامل يركز على تحقيق استقلاليتنا الذاتية وبناء حياة نرضى فيها، نلحظ اليوم الاهتمام بالبساطة في صفوف الشباب كنمط حياة، لكن الأسئلة التي تُطرح حول هذا الموضوع تتغيّر أيضاً؛ في الماضي كانت الثقافة السائدة ترفض البساطة بشكل عام وتعتبرها أمراً مخجلاً بل مخزياً، لأنها رأت فيها حياة الفقراء، اليوم السؤال السائد هو العكس: هل البساطة ترف محصور بالأثرياء؟

شاهدنا خلال السنوات الأخيرة صعود قطاع الخدمات المنزلية الخارجية، حيث أصبح بإمكانك استئجار كافة الخدمات التي يمكنك أن تقوم بها بنفسك في منزلك من غسيل الملابس إلى التنظيف إلى الطعام، رافق ذلك صعود استهلاك منتجات الاستخدام الواحد من أكواب البلاستيك إلى الكاميرا التي ترميها بعد استخدام واحد، نظرياً يمكنك العيش في غرفة لا يوجد فيها سوى سرير وطاولة ولابتوب، لكن سيكون عليك أن تعتمد على الدليفري وخدمة التوصيل وأكواب البلاستيك وأن تدفع ثروة صغيرة وتنتج مئات الكيلوغرامات من النفايات كل عام، هل هذه هي البساطة؟ بالطبع لا، إنها تقليليّة لكنها ليست بساطة.

البساطة simplicity هي أسلوب حياة يركز على التخفيف من الممتلكات والأشياء والاستهلاك قدر المستطاع، والاستفادة من الخفّة لتحقيق مساحة ذهنية ونفسية ومادية ذاتية أكبر وأهدأ وأكثر سلاماً، وبناء صلة أكثر عمقاً ومعنى مع عدد أقل من الناس والممتلكات والتطبيقات.

والتقليلية minimalism هي أسلوب في العرض البصري visual presentation لا أسلوب في العيش، والتقليلية المعاصرة بدأت كحركة فنية في صفوف الرسّامين والنحّاتين في ستينات القرن العشرين، وتفرّدت بتقديم نتاجها الفني بأقل قدر ممكن من العناصر والألوان، وفي وقت لاحق؛ أثرت في الهندسة العمرانية بدرجة كبيرة، وانتقلت فيما بعد إلى الديكور الداخلي والموضة وأصبحت مع الوقت أحد أشكال التعبير البصري عن الثروة في صفوف الأغنياء.

السؤال الآن؛ هل هنالك شكل نقي من البساطة يمكننا اتباعه؟ بالتأكيد لا! فكرة وجود أي نمط حياة نقي هي فكرة خطيرة وتتبخّر عند أوّل احتكاك بالواقع، البساطة هي في النهاية نمط حياة شخصي وهنالك درجات متفاوتة منها، لا يوجد لها وصايا مُنزلة يجب على الجميع اتباعها، رغم ذلك هنالك فخّ أساسي يقع فيه العديد من الأشخاص الذين يحاولون تحقيقها في حياتهم، وهي اعتقادهم أن البساطة هي حالة نهائية يحصلون عليها مرّة واحدة للأبد بدل أن تكون عمليّة مستمرّة في حياتهم، وحياتنا اليوم تتجه إلى المزيد من التعقيد باستمرار ولذلك علينا القيام بجهد واعٍ ومستمر لتبسيطها كل فترة، وإلا سنجد أنفسنا نعتقد أننا لا نزال نحمل البساطة كقيمة حياتية فيما تكون حياتنا الفعلية معقّدة واستهلاكية، والتضخم في أسلوب العيش بطيء لدرجة لا نراه أحياناً حتى ولو كان أمامنا، لذلك علينا في كل فترة أن نعيد النظر في حياتنا ونرى ما تعقد منها لتبسيطه، سواء كنّا نتحدث عن خزانة ملابسنا أو عن ما نفعله في يومياتنا.