تستعد المملكة العربية السعودية لتطبيق نظام الاستثمار التعديني الجديد، في مطلع عام 2021م، فما الذي يعنيه هذا بالنسبة لحاضر ومستقبل نشاطات التعدين والصناعات المعدنية في المملكة؟

نظام الاستثمار التعديني الجديد هو أحد المبادرات المهمة في إطار الاستراتيجية الوطنية الشاملة للتعدين والصناعات المعدنية. وهو، كذلك، خطوةٌ جوهريةٌ ضمن برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية؛ أحد أهم البرامج التنفيذية لرؤية المملكة 2030، التي لا تتوقف أهدافها عند تنمية وتنويع مصادر الاقتصاد الوطني وتعزيز قوته واستدامته، وإنما تتجاوز ذلك إلى توفير كل أسباب الحياة الكريمة للمجتمع السعودي، في كل مناطقه، من أجل بناء مجتمعٍ طموحٍ وناهض.

وبالنسبة لقطاع التعدين والصناعات المعدنية، تحديداً، تتركز رؤية الدولة، واستراتيجية التعدين والصناعات المعدنية، على تيسير الاستثمار، وتطوير البيئة التنظيمية وقواعد الحوكمة، وضمان استدامة تمويل القطاع، وذلك من خلال إحداث تحولات كبرى في هذا القطاع، تُيسّر استغلال الثروات المعدنية التي تزخر بها مناطق المملكة، والتي قدرت الدراسات قيمتها بحوالي خمسة تريليونات ريال، ليُصبح قطاع التعدين والصناعات المعدنية، بحلول عام 2030م، الركيزة الثالثة، في الصناعة السعودية، مع صناعتي النفط والبتروكيميائيات، ويُصبح قطاع التعدين المُمكِّن الأكبر للصناعة السعودية في المستقبل.

أما نظام الاستثمار التعديني الجديد، وهو جزءٌ من جهود تطوير البيئة التنظيمية وقواعد الحوكمة، فقد تمت صياغته بمشاركة خبراء سعوديين ودوليين، لإيجاد بيئةٍ قانونية وتنظيمية تنافسية، تتكامل وتتعاضد مع أعمال الجهات الأخرى ذات العلاقة، لتُعزز جاذبية قطاع التعدين والصناعات المعدنية لرؤوس الأموال المستثمرة، وطنياً وعالمياً، وذلك بهدف أن يُسهم هذا النظام، مع بقية المبادرات، في رفع إسهام قطاع التعدين والصناعات المعدنية في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة إلى مائتين وأربعين مليار ريال سنوياً، وزيادة إيراداته للدولة بأكثر من ثمانية مليارات وتسعمائة مليون ريال سنوياً، واستحداث أكثر من مائتي ألف وظيفة بحلول عام 2030م.

ولا بد من الإشارة إلى أن عناصر جذب المستثمرين، إلى قطاع التعدين والصناعات المعدنية في المملكة، لا تقف عند حدود تيسير وصول القطاع الخاص إلى هذه الاستثمارات، وإنما تتجاوز ذلك إلى تسليط الضوء على ما في المملكة من مواقع استكشاف واعدة، غنيةٍ بما فيها من مخزوناتٍ هائلةٍ من المعادن والفلزّات، وما تُقدمه المملكة من حوافز ضريبية، وما أقرته من أنظمةٍ تُيسّر الحصول على تراخيص نشاطات التعدين، بالإضافة إلى توفّر القوى العاملة الوطنية المؤهلة، وهذه كلها عناصر في استراتيجية التعدين والصناعات المعدنية، وفي نظام الاستثمار التعديني الجديد.

وقد تمكن قطاع التعدين والصناعات المعدنية من إطلاق العديد من المبادرات الرئيسة، التي تم إنجاز بعضها بالفعل، لتضع قواعد هذا القطاع على أسس راسخة، وتُبرز قدرته على خدمة الوطن في كل مناطقه.

حيث شهدت بعض مشروعات التعدين والصناعات المعدنية تطورات لافتة، نتج عنها تأسيس مدن قائمة بذاتها، نجحت في إظهار إمكانية التكامل الفعلي بين التقنيات الحديثة، والنشاطات الصناعة، والتنمية الاجتماعية.

ومن بين أبرز الأمثلة على هذه المشروعات؛ مدينة “وعد الشمال" التي أُسست لتُنجز وعداً بتنمية وتطوير المناطق الشمالية من المملكة، وتوفير أسباب الحياة الكريمة والاستقرار لأبنائها، فضلاً عن تنمية واستغلال الثروات المعدنية للمملكة في تلك المناطق.

فاليوم، بعد مُضي حوالي ثمان سنوات على بدء أعمال الإنشاء في المشروع، أصبحت مدينة "وعد الشمال" من أهم مواقع التعدين والصناعات المعدنية الرئيسة في المملكة. واستحدث مشروعها نحو عشرين ألف وظيفة، وأصبحت مجتمعًا قائمًا بذاته، فيه مئات الوحدات السكنية، وشبكة طرق طولها أربعين كيلومتراً، مع بنية تحتية وخدميةٍ متكاملة.

وعند اكتمال المرحلة التالية من تطوير المشروع، ستصبح المملكة ثاني أكبر منتج للأسمدة الفوسفاتية في العالم، وأحد أكبر مصدري المنتجات الزراعية، وهو ما يُمثّل عنصراً مهماً من عناصر التنمية والإصلاح، التي تستهدفها رؤية المملكة 2030.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن مدينة "وعد الشمال"، التي أُسست كمركزٍ للتعدين والصناعة المعدنية، باتت اليوم داعماً لما حولها من مدن المناطق الشمالية للمملكة، حيث أصبحت مركزاً لتوليد الطاقة الكهربائية، يوفّر الكهرباء لأكثر من 500 ألف منزل، وداعماً لتنمية وتطوير التعليم والتدريب، ومؤسسات القطاع الخاص في المنطقة.

وعلى الرغم من الظروف التي أحاطت بانتشار جائحة فيروس كوفيد-19، فقد حازت محطة وعد الشمال لتوليد الطاقة الكهربائية خمس نجوم في تصنيفها الذي أجرته الشركة السعودية للكهرباء، عند تقييمها نظام إدارة الصحة والسلامة والحفاظ على البيئة في المحطة.

وتعليقاً على ما تحقق في مدينة "وعد الشمال"، يقول معالي المهندس خالد بن صالح المديفر؛ نائب معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين: "تُجسد "وعد الشمال" طموحنا ورغبتنا في إنشاء قطاع تعديني وصناعي من الطراز الأول، حيث نجحت في إظهار التكامل الناجح بين التقدم التقني، وما حققناه من نموٍ، وما اكتسبناه من خبرات في قطاع التعدين، إضافة إلى عزمنا على تحقيق الازدهار لمناطق المملكة. فالمدن التي تُحيط بالمشروع باتت اليوم مثالًا يحتذى به لما يمكن أن يُحققه التعاون بين قطاع التعدين والصناعات التعدينية والمجتمع، وما يمكن أن ينتُج عن مساندة كلٍ منهما الآخر لتحقيق التنمية."

وبنفس القدر من الطموح، تواصل مدينة "رأس الخير" للصناعات المعدنية، الواقعة على ساحل الخليج العربي، تحقيق النمو والتقدم. فبالإضافة إلى كونها منطقةً سكنيةً، ومركزًا لتوليد الكهرباء، وميناءً مهماً، ومركزاً لعدد من الصناعات، في شرق المملكة، قد أصبحت، كذلك، مركزًا للصناعات التعدينية تتم فيه جميع عمليات معالجة وإنتاج نحو سبعمائة وأربعين ألف طن من الألومنيوم سنويًا، من خلال تشغيل أكبر مصهّر للألومنيوم في العالم، بالإضافة إلى معملٍ لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية والكيميائيات، فضلاً عما تضمه من صناعات أخرى تُمثل المعادن جزءاً رئيساً فيها، مثل الصناعات البحرية.

وفي بداياتها الأولى، في عام 2016م، كانت رأس الخير تحتضن، فعليًا، اثني عشر ألف عامل، على مساحتها التي تبلغ تسعين كيلومترًا مربعًا. وكانت أول موقع، على مستوى المملكة، يتم تجهيزه بالبنى التحتية الضرورية، والمتكاملة، للتعامل مع مخزونات الفوسفات والألومنيوم بعد استخراجها ونقلها بالقطارات إليها.

وتسعى وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى أن تُصبح المدن الصناعية، في كل من "رأس الخير" و"وعد الشمال" مقياساً تُبنى على غراره مشروعات تعدين وصناعات معدنية مستقبلية في المملكة، وذلك باستغلال استثمارات القطاع الخاص الوطني والعالمي، بحيث تُسهم هذه المشروعات في تعزيز النشاط التعديني والصناعي المرتبط به، ودعم جهود تنويع مصادر الاقتصاد الوطني، وتوفير المزيد من الفرص الوظيفية للأجيال الصاعدة من أبناء المملكة وبناتها، وتؤسس سلاسل قيمة جديدة تعزز نمو وتقدم المملكة. ولهذا، تبذل الوزارة جهوداً متميزةً وملحوظةً لتطوير البنى التحتية، وتقنيات التعدين الرقمية، التي ستُسهم في تحسين معايير السلامة والاستدامة والكفاءة بشكلٍ عام.

ومن الواضح أن وزارة الصناعة والثروة المعدنية تواصل جهودها، بدافعٍ مما تحقق من نجاحات، فبالإضافة إلى مساعيها الجادة لاجتذاب المستثمرين إلى قطاع التعدين والصناعات المعدنية، وتوفير عوامل النمو والنجاح لجميع جوانب هذا القطاع الحيوي، تواصل الوزارة، أيضًا، تطوير استراتيجيتها العامة؛ فإلى جانب التغييرات التي طرأت على الأنظمة وأدت إلى تيسير الاستثمار، هناك، أيضاً، برامج للتعاون مع وزارة الاستثمار لتسريع عجلة نمو قطاع التعدين والصناعة المعدنية.

وهذا يؤكّد أن لدى وزارة الصناعة والثروة المعدنية العزم والإصرار، المبنيين على فكرٍ مؤسسي بعيد المدى، لتعزيز جهود جذب المستثمرين، ولا أدل على ذلك من أن الاستثمار في قطاع التعدين السعودي أصبح، اليوم، أيسر من أي وقت مضى، وهو من جملة ما يُميز المملكة عن غيرها من دول العالم في هذا المجال.