علينا أن نعي جيداً أن التعليم الجامعي ركيزة أساسية في مسار التطور والتقدم الحضاري، تعتمد عليه كافة المجتمعات الحديثة من أجل مواكبة التطور الهائل على مستوى العالم، وتجييره عبر أفكار عقولها المبدعة؛ لتحديث مجتمعها وتقديم نفسها كنموذج يصدر الأفكار والاختراعات، ولا يكتفي بدور المتفرج أو المستهلك..

رغم التأكيد على أهمية التعليم في مرحلتيه الابتدائية والمتوسطة، وهو حجر الزاوية في تأسيس جيل حقيقي يرسخ لما هو أبعد في العملية التعليمية بكل مقدماتها المعروفة، إلا أن التعليم الجامعي الذي يعتبر مسك الختام بالنسبة لمسيرة أي طالب أو طالبة - قبل أن يتوغل في الدراسة الأكاديمية العميقة والمتخصصة، سواء ماجستير أو دكتوراة - يبقى محور اهتمام كل أسرة تهتم بمستقبل أبنائها وبناتها سعياً لتحقيق طموحاتهم فيما يتعلق برغباتهم الذاتية أو بما هو أوسع وأشمل وهو خدمة الوطن بالمساهمة في ركائز ومحاور نهضته وتنميته.

وإذا كنا نأمل فيما يمكن تسميته التعليم الجامعي المؤسسي بمخرجاته المعروفة التي تلبي سوق العمل في المرحلة الراهنة من عمر وطننا المجيد بناء على رؤية 2030 الاستراتيجية وما تتطلبه من عقول وكفاءات ومدارك تتوسع لتلبي متطلبات رؤيتنا الوطنية، وإنهاء مرحلة التفكير في مجرد شهادة لا تغني ولا تسمن من جوع، لذا يكون من الضروري جداً أن نفكر فيما هو أبعد من مجرد تعليم جامعي أو جامعات لاتزال تثار حولها الكثير من الأسئلة المسكوت عنها في عقول ووجدان الكثيرين، وهو أمر يحتاج إلى تفكير من خارج الصندوق لمواجهة تحديات المجتمع الراهنة من جهة، ومن جهة أخرى متطلبات المستقبل بكافة تقنياته وضروراته الذهنية وقدراته الفكرية أولاً، بالتزامن مع تطبيقاته العملية.

من هذه النقطة الأخيرة، فقد أسعدني جداً ما قرأته مؤخراً عن قرارٍ سامٍ باستقلال ثلاث جامعات (جامعة الملك سعود بالرياض، جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام)، لتكون نواة لتطبيق النظام الجديد، الذي أراهن أنه فرصة من ذهب للانطلاق نحو التميز، والجودة، والتطوير، والاستقلالية المنضبطة وفق توجهات الدولة العامة.

وعدا أن قرار استقلال هذه الجامعات - الذي يأتي كتجربة مبدئية - يتماشى مع كل ما يسهم في تحقيق رؤية سمو ولي العهد وتحديداً ما يتعلق بجودة التعليم الجامعي وتطويره، فإن استراتيجية القرار تكمن في جوهره الهادف لإعادة تنظيم شؤون التعليم الجامعي، بما يعزز المكانة العلمية والمعرفية لجامعاتنا السعودية، ويمنحها درجة عالية من الاستقلالية المالية والإدارية، وتطوير مواردها الذاتية - وهذه النقطة الأخيرة غاية في الأهمية بل مطلوب تعميمها بشدة - وهذا أمر يُعد بالمعايير التعليمية الحديثة نقلة نوعية وجادة في منظومة التعليم الجامعي ليتخلص من عباءته البيروقراطيته والمركزية الإدارية الشهيرة والمعقدة إلى مستويات راقية تضمن الاحترام والثقة والجدية في نفس الوقت.

في رأيي المتواضع، إن التحدي الكبير الآن أمام هذه الجامعات الثلاث يكمن في قدرة إداراتها على أن تكون على قدر الثقة الموضوعة عليها لتكون حجر الزاوية لتأسيس التجربة وتجذيرها أولاً باعتبارها النواة الصلبة المبدئية، قبل أن نتحدث عن تعميم أو تطبيق إضافي، فالتجربة كلها على المحك الآن، وهذا ما يستدعي أن نبحث عن ضمانات واقعية تعزز ثقافة التعليم الجامعي - وهي للأسف ضعيفة نسبياً - بكل مساراتها البحثية علمياً للاستفادة منها بما يحقق استفادة مجتمعية رصينة وجادة، وليس كما يحدث الآن من وضعها في الأدراج أو الرفوف.. وأيضاً إرساء خارطة طريق غير تقليدية تخرج بتعليمنا الجامعي من تقليديته المتجذرة للأسف، وصولاً لتأسيس مناهج متطورة تعزز احتياجاتنا التنموية المستقبلية، وتحقق آمالنا وطموحاتنا في بناء عقول شابة قادرة على الابتكار العلمي والتحديث المعرفي لتأخذ مكانها اللائق إقليمياً وعالمياً بالتوازي مع دورها المهم وطنياً.

علينا أن نعي جيداً أن التعليم الجامعي ركيزة أساسية في مسار التطور والتقدم الحضاري تعتمد عليه كافة المجتمعات الحديثة من أجل مواكبة التطور الهائل على مستوى العالم، وتجييره عبر أفكار عقولها المبدعة، لتحديث مجتمعها وتقديم نفسها كنموذج يصدر الأفكار والاختراعات ولا يكتفي بدور المتفرج أو المستهلك.. وهذه الأخيرة عملية غاية في الصعوبة، لكنها تكسب أهميتها من استمرار تدفق إبداعها في كل المحاور والمرتكزات.. ونحن كسعوديين بما نملك من مقومات لسنا أقل من هذه المجتمعات بكل تأكيد.