مرت مرحلة من عمر القصيدة بظروفٍ قاسية وصعبة، ألا وهي الدعوة إلى وأد القصيدة الطبيعية ودفنها بطين وتراب الحداثة.. الحداثة بمفهومها الفلسفي وليس بمعنى التحديث أو التجديد.

فقد كانت كلمة الحداثة معلقة على أبواب المنتديات وصوالين الشعر ومن خرج عن مفهومها ومألوفها فهو متأخرٌ ومتخلف بل ومنحط كما يردد بعض دعاتها...

اليوم ضعفت تلك الموجة أو الظاهرة بل ترملت أو كادت... لأن الشعر لا يمكن أن يؤطر أو يُكيس أو يختطف من قبل فئةٍ متزمتة وهي تدعي الانفتاح والحرية.. فحقل الشعر وميدانه أوسع من صدر الحليم ومن مفاوز الصحراء.. إذ لا يمكن للشعر أن يوضع كعصفور الكناري في قفص.. فالشعر طائرٌ لا تتعب جناحاه من التحليق والرفيف والطيران في سماء الله الواسعة وغاباته وقفاره وفيافيه...

والذين حاولوا أن يضعوا الشعر في صندوقٍ وجرمٍ واحد أخفقوا وفشلوا إذ أن من ميز الشعر أنه متمردٌ على القولبة والأربطة والقيود والتعليب... أذكر أن شاعراً في تلك الفترة ألقى قصيدةً عموديةً رائعة فقوبِل بالصياح والاستهجان ولكن المرحوم عزيز ضياء أخذ بيده وقال له: أنت شاعرٌ سيكون لك شأن ولا تُصغِ إلى هذه الرعناء ولا هذا الرُغاء والعبث، وفعلاً نما شعره وشب عن الطوق حتى صار أحد الشعراء النابهين...

هذا ليؤكد أن الشعر عملٌ إبداعيٌ لا يخضع لمقاييس ومعايير أو لوصاية تفرض عليه، فالشاعر الحق لا يأبه بالوصاية ولا ولاية الأمر من أحد.

الشعر كالزهر الفواح يعلن عن نفسه بجماله الأخاذ ورائحته الزكية، وكالطائر الذي يحلق ويطير من سماءٍ إلى أخرى ومن خميلة إلى خميلة، أما الشعر المعلب فهو أشبه بمادة صلبة أخرجت من قالب إسمنتي... اليوم عاد الشعر إلى وضعه الطبيعي يخرج بثيابه الجميلة الزاهية المختلفة الألوان والتطاريز وأخذ يتنفس برئتيه وذهبت تلك الموجة إلى التصحر والتيبس والذبول..

وما أجمل أن يُطلق عنان الشعر للمطر ولرياح الشتاء والصيف دونما ربطٍ وحجرٍ وخنقٍ وتقييد ودونما افتعال مصطلحات بلهاء هي إلى المماحكة أقرب منها إلى الجمال والإبداع والارتقاء بالذوق... وللموهوبين وحدهم دائما تكون الأبواب مشرعة.