ذلكم البلد الرائع الجميل (لبنان) لم يترك الأشرار شيئاً من جماله وإنما حاولوا ويحاولون دائماً خمش وجهه بأظافرهم الحادة المسمومة... لبنان الذي كان وجهة السياح والمصطافين العرب أصبح اليوم وكراً للصوص والمجرمين وقطاع الطرق.. لبنان الذي كان يمثل التمازج الفكري والمذهبي والاندماج الوطني بكل سلاسة في مسألة التآلف والتكاتف أصبح اليوم نموذجاً محزناً للتصدع وللتصارع وسفك الدماء.. ويتسأل المرء ماذا حل بلبنان؟ ما الذي أصابه في قلبه وعقله؟ هل يعقل أن تتحول شواطؤه الجميلة إلى متاريس وخنادق وأبواب مشرعةٍ للذبح والموت...  نعم هذا هو واقع ذلكم البلد الرائع الذي مزقته عصابات النهب وقبائل السطو والموت... ويتساءل المرء كيف وقع لبنان في مخالب الشر.. نقول ببساطة لقد سرقه اللصوص في غفلة من أهله فأخذوا يتاجرون بماله وجماله ومكانه الفريد في الطبيعة والقلوب.

 ومرة أخرى يتساءل المرء إلى متى سيظل لبنان عاري الجسد مصلوباً على خشبة الموت... أقول: إن لبنان لن ينقذه من بؤسه ومن مأساته سوى أهله... إذ لابد أن يجتمع أصحاب العقل والرشد مهما اختلفت طوائفهم ومذاهبهم على أمرٍ واحد وقولٍ واحد وهو إنقاذه من حبل المشنقة الذي يلتف على عنقه فلن يقطع ذلك الحبل اللعين إلا أهل لبنان... لقد التف الحبل على رقبته باسم المقاومة حيناً وباسم الوطنية حيناً آخر، ولكن متى كانت المقاومة ومتى كانت الوطنية وسيلة خنقٍ وتكميم أفواه...؟ فلبنان أيها السادة لم يخلق للرصاص والبارود، وأصابيع الديناميت وإنما خلقه الله لأشجار الأرز والصنوبر والرمال الذهبية تنام على شواطئه وتستحم بأمواجه الدافئة... والمرء يتساءل كيف لمن يعيش في وأمام وكنف هذا الجمال الرائع النادر أن يحمل الخنجر ليغرسها في رقبته وخاصرته... أيا اللبنانيون كفاكم موتاً، كفاكم فرقةً وتشتتاً، فماذا كسبتم سوى الحرائق والدمار وتراكم الجثث والديون.. فلبنانكم اليوم يحتاج إلى صوت صادقٍ يصرخ في وجوه المجرمين والقتلة ليقول لهم: كفاكم عبثا، كفاكم قتلاً وتشريداً نريد العودة إلى بيوتنا، إلى متاجرنا، إلى حدائقنا الجميلة، إلى مدارسنا، إلى كتبنا، إلى مكتباتنا، إلى غناء السواقي وحنين النواعير، إلى مطابع الكتب ومهرجانات الشعر، نريد خلع العمائم والجبب التي تحمل في جيوبها أصابع الديناميت وقنابل الفتك والتفجير.. نعم لابد أن يعلوا صوت لبنان، لابد أن يعلو صوت اللبنانيين الأصلاء بكل ثقافاتهم وبكل تنوع أفكارهم ومشاربهم... فلا سبيل لإنقاذه وانتشاله من وحول الدم غير أهله... وأعتقد أن اللبنانيين الشرفاء اليوم بكل أمزجتهم يتفقون جميعاً على العودة إلى مهرجانات الفرح وأغاني الرعاة وأمسيات الشعر.. ذلكم هو شفاء لبنان وخلاصه من مرضه بل أمراضه التي أتعبته وأنهكته وأثخنته طويلاً وأصابته بفقر الدم وفقر الحال..