تاريخياً لم تكن بيوتنا على قدر من السعة والدعة لتمنح حيزاً ولو ضئيلاً يلبي أي احتياج أو نشاط مكتبي خاص برب الأسرة ناهيك عن أفرادها، وإن اختلفت الحال في الحاضر عما كانت عليه في السابق، وهذا بالمناسبة لا يقتصر فقط على مجتمعنا بل على كثير من المجتمعات الأخرى، فاستناداً إلى ما تذكره بعض المكاتب الاستشارية التي تعمل في مجال تصميم المجمعات السكنية حول العالم، هناك نسبة تتراوح ما بين عشرة إلى خمسة عشرة في المئة فقط ممن يرغبون أن يخصص حيز للنشاط المكتبي ضمن تصميم وتنفيذ مساكنهم. لكن هذا الحال يبدو أنه تغير بعد جائحة كورونا وإجبار الأسر على البقاء في بيوتهم وممارسة الكثير من أعمالهم بل ودراسة أبنائهم عن بعد، مما يتوقع وفقاً لرأي تلك المكاتب الاستشارية أن يكون الحيز المكتبي في البيوت من مظاهر الحياة المرغوبة بها وأن تزيد نسبة البيوت التي تحتوي حيزا مخصصا للنشاط المكتبي إلى أكثر من ثلثي المساكن في المستقبل.

المزاوجة بين فراغ المعيشة والعمل في مرحلة الحجر المنزلي دفع بالكثيرين إلى إعادة النظر في تصميم بيوتهم لا سيما وأن الكثير منهم بدأ يتضح له أن العمل عن بعد سيستمر، حتى بعد زوال الجائحة، بل وأضحى مقبولاً على نحو أكثر من ذي قبل، لا سيما بعد تذوق متعة التخلص من معاناة الرحلة اليومية للذهاب إلى العمل، إلى درجة أن الكثير من العاملين أخذ في اعتباره إلى أنه لن يكون هناك مبانٍ مكتبية سيعودون إليها في المستقبل. إلا أن التساؤل الذي يطرح من قبلهم هو عن أعادة التشكيل الذي سيحدث في بيئة العمل بالبيت.

إنه بالرغم مما يقدمه العمل والدراسة عن بعد من مرونة إلا أنه تصاحبه بعض المشكلات، خاصة مع الاستخدام واسع الانتشار للاتصال وعقد الاجتماعات عبر الفيديو التي تطغى على جزء كبير من أوقات العمل اليومي، وما يواجه ذلك من مشكلات نتيجة عدم كفاءة العزل الصوتي، وجودة عنصر الإضاءة، خلاف خصوصية الفراغ المكتبي للمشاركين في الاجتماعات، نتيجة لذلك يتوقع أن يعنى تصميم الحيز المكتبي داخل البيوت في مرحلة ما بعد الجائحة بالجوانب الصوتية والضوئية على نحو أساسي، إضافة إلى المرونة في الحيز المكتبي وإمكانية تقسيمه فراغياً ليتاح استخدامه في آن واحد من قبل الوالدين العاملين وأبنائهم بأقل قدر من الاحتكاك فيما بينهم، وستكون هذه بالطبع مرحلة من مراحل التطوير المستمر على مدى العشر سنوات القادمة لحيز العمل المكتبي من البيت في مقابل مقار العمل المركزية.