على مدار الأشهر القليلة الماضية لمعت جواهر ثمينة شديدة الخصوصية في مجال السياحة الداخلية بالمملكة، مطاعم ومقاهٍ ووجهات خلابة بقدرة جاذبة استثنائية تملكت وجدان المواطنين بعد أن لجؤوا إليها مُضطرين في ظل توقف حركة السياحة العالمية أو ارتفاع عناصر الخطورة في خوضها، لم تلبث الطبيعة السعودية والسواعد الوطنية أن قدمت بدائل مرضية في توقيتات قياسية، أدت إلى انتعاش حركة السياحة الداخلية بشكل غير معهود حولها في بعض الأحيان لأحد مثار تأمل واحتفاء رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن بهاء وتميز الداخل المحلي سر أفصح عن نفسه أخيرًا وأزاح الستار عن الكثير من النفائس، إلا أن جاهزية الخدمات المحلية لاستقبال الزوار بل وتقديم تجارب حياتية لا تُنسى تقود بالضرورة إلى تساؤل مشروع حول أسباب خفوت نجم السياحة الداخلية طوال السنوات الماضية ما دامت المرافق تنتظر فقط نظرة متعمقة من الجمهور وفرصة للاستكشاف.

تحوّل السياحة الداخلية في الفترة الماضية التي تعذّر فيها اجتياز الحدود على خلفية الإجراءات العالمية الوقائية من الهامش إلى المتن الأساسي رُبما يعكس تقصيرًا أو خللًا ينبغي الكشف عن موضعه ومحاسبة المسؤول عنه وتصحيح المسار الذي أودى بمقاصدنا وإمكاناتنا السياحية المدفونة التي تحتاج إلى الترويج وتعريف حتى أبناء المملكة ومواطنيها بها، فليس من المعقول أن نستسلم لفرضية أن محنة كورونا صاحبتها منحة وطنية بانتعاش السياحة الداخلية فحسب، فتدوينات السياح المحليين على مواقع التواصل تشي بأن وجهاتنا السياحية لطالما كانت مستعدة ومنتظرة ومرحبة بالزوار، وليس من المنطقي التصوّر القاصر بأن أعمال البناء والتأسيس تمت في فترة الحظر، هذا المستوى غير المسبوق من الرفاهية والخدمات السياحية المميّزة كان يلزمه سنوات من التراكم الإنشائي والخبرات لدى القطاع السياحي السعودي المظلوم بالاختباء في الظل، مفتقرًا إلى حملات ترويجية ممنهجة تستهدف السائح المحلي، ومن ورائه السائح العالمي بالتأكيد، فضلًا عن برامج سياحية مُصاغة بعناية تُناسب الأذواق السياحية المُتباينة، وتسلط الضوء على الوجهات السياحية المغمورة في أنحاء المملكة.

السؤال التالي الذي يبادر إلى الأذهان بعد تجربة تذوق متعة الاستكشاف بنكهة سعودية أصيلة، هو ما إذا كانت المملكة تضم بالفعل أسراراً وكنوزاً أخرى تمر عليها الأعين دون قراءة دقيقة، ويتمتع أبناؤها بمواهب أخرى حبيسة وجدانهم تنتظر أقل بادرة للإفصاح عن نفسها والتألق بين آلاف المواهب الأخرى المتميزة حول العالم، فربما جاء كوفيد - 19 ليعلمنا القليل عن أنفسنا، ولكن أهم ما تعلمنا من فضائل هو التساؤل عما يمكن أن نحققه في الغد.