ينجرف لبنان بشدة صوب هوة أزمة «استثنائية»، يلاحقه الفشل واليأس في كل خطوة يخطوها لمداواة جروح عملته التي تئن، والإفلات من انهيار مالي وشيك. وفي هذا المشهد المؤلم، تراجعت آمال الخلاص عبر اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بسبب أن حكومة البلاد إما أنها غير راغبة في الحل، أو أنها عاجزة عن سن الإصلاحات الضرورية، تعرقلها أجندات متضاربة لزعماء طوائف، لا يريدون التنازل عن سلطة أو التخلي عن امتياز، وآخر ما يفكر فيه هؤلاء هو مصلحة الشعب اللبناني.

شهد تاريخ لبنان الحديث الكثير من الأزمات التي تعرض لها، ولكن سرعان ما تجاوزها هذا البلد العربي الصغير بشكل أو بآخر، بيد أن الأزمة الحالية مستعصية على الرحيل، والخاسر الوحيد فيها هو الشعب اللبناني، الذي يدفع وحده ثمن أخطاء السياسيين وانتماءاتهم وولاءاتهم التي تتخطى حدود الوطن.

الأزمة الاقتصادية اللبنانية هي نتاج مجموعة عوامل تراكمية، عمرها عدة عقود، ولكن سببها الأبرز اليوم هو انتقال الصراع بين إيران والولايات المتحدة على الأرض اللبنانية، وبالتحديد على الجبهة المصرفية، ما ترتب عليه حظر قدوم الدولار إلى لبنان بحكم العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن على النظام السوري، وعلى حزب الله، واتهام بعض المصارف اللبنانية بخرق تلك العقوبات.

ووسط هذه الظروف، وصل المواطن اللبناني إلى حافة اليأس والعجز وفقدان الأمل، وكأنه أعلن عن قتل آماله ووأد أحلامه في أن ينعم بالحياة الهادئة والمستقرة داخل وطنه، هذه الحياة التي أفسدها عامداً متعمداً الحاكم الفعلي للبلاد «حزب الله»، الذي أراد تسخير مقدرات الدولة وخيراتها في غير محلها، وتوجيه سلاحه إلى سورية ،مرة ليحمي المراقد هناك، ومرة أخرى يقتل به الشّعب السّوريّ في فصول من المجازر لا تنتهي، ومرة ثالثة يساعد الحوثيين في إطلاق الصّواريخ على السّعوديّة، وفي مرات أخرى، ينفّذ هجمات إرهابيّة في أوروبا وصولاً إلى ما بعد كولومبيا والأرجنتين.

الدوامة اللبنانية الحالية لا نهاية لها، إلا إذا أدرك الجميع أهمية تغليب الصالح العام على الصالح الخاص، أو إذا تصدت الحكومة اللبنانية للمشكلات القائمة بكل قوة ومسؤولية، لحلها بشجاعة، منطلقة من الرغبة الحقيقية في العلاج، وليس التجاهل، يضاف إلى هذا وذاك، توحيد المواقف بين الأطياف السياسية ووقوفهم ضد تصرفات حزب الله، وإلزامه بأن يكون جزءاً من الدولة، وليس فوقها.