حضر رجل اسمه سولومون شيرشفسكي اجتماعاً له علاقة بعمله، وما هو إلا قليل حتى صاح به أحدهم ينتقده لأن سولومون لا يسجل الملاحظات ويكتفي بالاستماع والنظر، لكن هذا الرجل لم يعرف أن سولومون يمتلك قدرة خارقة: إنه يتذكر كل شيء.

الكثير من الناس يتمنى ذاكرة خارقة، وقد مرت عليك اختبارات الذاكرة التي تعرض عليك عدة كلمات لبضع ثوانٍ ثم تحجبها عنك، ومهمتك أن تتذكر أكبر قدر ممكن، ولو كانت نتيجتك منخفضة فستتحرق أن تستطيع أن تحفظ الكثير من مجرد لمحة، وهذه هي القدرة التي أوتيها سولومون، فكيف كانت حياته؟

أولا، لنتمعن في سؤال عن التذكر: العين تبصر، والمخ لديه قدرة تخزين ضخمة تستطيع تسجيل كل ما تراه كل يوم، لكن المخ يتعمد ألا يتذكر كل شيء. كيف يمكن لنظام الذاكرة لدينا أن يهمل كل هذه التفاصيل؟ أليس الأفضل أن يسجل كل شيء بدقة؟

لا، لأن هذا سيحشر الكثير من التفاصيل غير المهمة في المخ كما أتى في كتاب "اللاوعي"، نرجع الآن إلى سولومون، فقد درسته عالمة روسية اسمها لوريا عام 1920م لمدة 30 سنة، وأظهرت النتيجة جانباً سلبياً في ذاكرة جبارة كهذه تسجل كل شيء. امتحنته لوريا وظهر أن سولومون يتذكر تذكراً كاملاً. لكن هنا الجانب السيئ: التفاصيل أعاقت الفهم. مثلاً، كان يصعب عليه تمييز الأوجه. إننا نميّز الملامح العامة للأوجه، ونتعرف على الشخص بمطابقة وجهه مع المجموعة المحدودة من ملامحه في ذاكرتنا، أما سولومون فكانت ذاكرته تحوي نسخاً كثيرة جداً لكل وجه رآه، وكان يتذكر كل وجه بلا استثناء. كل إنسان له "أوجه" متعددة، فهناك الوجه السعيد والعادي والمحتار والحزين والخائف وهكذا، حتى هذه لها درجات، فهناك وجه متضايق ثم عابس ثم غاضب ثم مغتاظ وهكذا، وكانت ذاكرة سولومون تخزّن كل واحد من هذه الأوجه كوجه منفصل، عكس التخزين الطبيعي لدينا الذي يركز على الوجه بشكل عام ويستوعب التغييرات بمرونة. إذا رأى سولومون شخصاً يعرفه كان عليه أن يطابق وجهه مع مخزون هائل من الأوجه ومن ثم يواجه صعوبة.

هل لا تزال ترغب في ذاكرة خارقة؟ احذر ما تتمنى!