إذا كانت المملكة قد أثبتت نجاحاً في تنظيم مواسم الحج على مدى عقود طويلة مضت، ويضم كل موسم ما يزيد على مليوني مسلم من جميع أجناس كوكب الأرض، فهي اليوم تثبت وتكرر النجاح نفسه في موسم الحج الحالي "الاستثنائي"، الذي يأتي في ظل "كورونا"، تلك الجائحة التي لم يشهد لها العالم مثيلاً، وأربكت حسابات أكبر الدول، وضربتها في مقتل، وأعادت صياغة الكثير من المفاهيم والمعتقدات، ومعها البرامج والخطط الاجتماعية والاقتصادية والدينية، وعلى رأسها موسم الحج. 

لم تشأ المملكة أن تُلغي شعيرة الحج هذا العام، كما أُلغيت الكثير من المناسبات المحلية والعالمية التي تشهد تكدساً بشرياً صغيراً كان أو كبيراً، وإن فعلت ذلك، فسيكون معها الحق والعذر، ولكنها قررت أن تنظم الموسم، وتعهدت بحماية الحجاج وضمان سلامتهم، ومن هنا فرضت حزمة من المعايير والاحترازات الوقائية غير المسبوقة، لضمان سلامة ضيوف الرحمن، منذ اللحظة الأولى التي قدموا فيها إلى المشاعر المقدسة، وإلى أن يغادروها بسلام سالمين غانمين إن شاء الله.

ويواصل موسم الحج حالياً مساره في الطريق الذي رسمته المملكة وخططت له، وسط متابعة من دول العالم والمنظمات الدولية، التي تراقب عن كثب كيف سيكون شكل الموسم مع الجائحة وتداعياتها، وكيف سيقضي الآلاف من ضيوف الرحمن أيام الحج وعلى أفواههم الكمامات الطبية، ويحافظون على التباعد الاجتماعي بينهم.

وتؤكد المشاهد الواردة حتى هذه اللحظة، بدءاً من وصول الحجاج إلى الأراضي المقدسة، والطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة، مروراً بيوم التروية، ثم الوقوف على صعيد عرفة أن المملكة تفوقت على كل الصعاب وتجاوزت كل التحديات في مشهد رائع ومطمئن، نال تقدير المسلمين حول العالم، وأبهر غير المسلمين، وأظهر أن المملكة تصنع المستحيل من أجل ضيوف الرحمن.

تملكتني مشاعر الفرح والسرور، الممزوجة بالفخر والعزة، كوني سعودياً، وأنا أشاهد كيف تنظم بلادي موسم الحج وسط هذه الظروف الصعبة، صحيح أن الأعداد التي وقع عليها الاختيار لا تزيد على 10 آلاف حاج فقط، وهو عدد قليل جداً جداً، بالمقارنة مع الأعداد التي كانت تحج في مواسم ماضية، وتتجاوز المليوني حاج، ولكنه في الوقت نفسه أرى أنه رقم كبير وضخم، بل ومخيف في زمن وباء الكورونا الذي ينتشر بين البشر كالنار في الهشيم.

لفت نظري الحجاج وهم ملتزمون بكل الاحترازات التي أوصت بها الجهات الصحية، بما يؤكد درجة الوعي التي كانوا عليها قبل بدء الموسم، ما يشير إلى نجاح موسم الحج قبل انتهائه، ويؤكد أيضاً أن المملكة لديها الإمكانات البشرية، فضلاً عن الخبرات في إدارة الحشود، وتأمين سلامتها في كل الظروف والأحوال.

ويخالجني شعور قوي، بأن الجائحة في طريقها إلى الزوال قريباً، وأن الأمور في كل المجالات والقطاعات ستعود إلى سابق عهدها، وفي الموسم المقبل، ستستقبل المملكة ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج، دون أمراض أو أوبئة، وتستفيد المملكة من تجربتها في هذا الموسم، لتنظيم مواسم حج أكثر مثالية إن شاء الله.