نشرت مجلة (نيتشر) العلمية الشهيرة الاثنين قبل الماضي مقالة بحثية ذات دلالة خاصة تضيء جوانب خفية عما يروج في الأوساط العامة من نظريات المؤامرة حول فيروس كورونا المستجد. فقد راجت نظريات المؤامرة مع انتشار الفيروس منذ بدء الجائحة، ووظفت سياسيا في التراشق اللفظي الذي ظهر بين الولايات المتحدة والصين، ونال منظمة الصحة العالمية ما نالها من وجع الرأس وقلة الحيلة، حالها حال المنظمات العالمية الأخرى، من انتقاد لموقفها حين أثنت على جهود الصين في مكافحة الجائحة ولم تتعرض إليها باللوم لأن الجائحة بدأت منها، فعندما تكون صديقا للجميع ستصاب بنيران صديقة من كل جانب.

فقد كشفت ورقة (نيتشر) التي أعدها فريق بحثي من مركز الأمراض المعدية في سنغافورة نتائج بحث أجري على الجهاز المناعي للمصابين بفيروس كورونا كشف عن مرض خفي. وبالرغم من أن البحث موجه لدراسة الأجسام المضادة، الخط الدفاعي الأول، إلا أن البحث وجد نتائج مفاجئة في الخلايا التائية، خط الدفاع الثاني، حيث وجدت آثار الخلايا التائية على مصابين بفايروس كورونا المستجد، وخلايا تائية لمصابين بكورونا سارز الذي انتشر في العام 2003، وخلايا تائية لمن لم يصب بفيروس كورونا المستجد أو كورونا سارز. تعضد هذه النتائج ما نشرته المجلة الأربعاء الماضي لفريق بحثي آخر في ألمانيا، وجد النتائج نفسها.

نتيجة للاتهامات المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة، تكونت تكهنات لسبب نشوء المرض تربط بين انتشار مرض فيروسي غامض في إحدى الولايات الأميركية في منتصف العام 2019م نشرت عنه صحيفة النيويورك تايمز خبرا صغيرا، وانتشار الفيروس في مدينة يوهان حيث يوجد مركز كبير لأبحاث الأوبئة تقام فيه مؤتمرات يُدعى إليها مختصون من العالم كله. فكما تشير ورقة (نيتشر)، فإن الخلايا التائية موجودة في أفراد لم يصابوا بفيروس كورونا المستجد أو فيروس سارز في العام 2003، مما يعني أنهم أصيبوا بفيروس آخر لم يكتشف من قبل. فالخلايا التائية تحمل في طياتها ما يشبه البصمة التي تبقى مدة طويلة للدفاع ضد الفيروس بعد الإصابة الأولى. فإذا كانت نظرية المؤامرة ترتكز على أن المرض الفيروسي مفتعل بعوامل غير طبيعية تتنوع بحسب من يروج لهذه الفكرة، فإن وجود الفيروس نشطا في فترات سابقة للجائحة دون اكتشافه يفتح مجالا جديدا للتفسير.

ورغم أن نتائج الورقتين لا تدل على انتشار الفيروس الذي لم يكتشف، غير أن وجود آثار الفيروس في قارتي آسيا وأوروبا كافٍ للدلالة على اتساع نطاقه.

إن ما نسميه اليوم جائحة، جاء من الأعراض المصاحبة للفيروس التي تؤدي مضاعفاته إلى الوفاة، حيث يكشف الفيروس عن نفسه فتستنفد الطاقات في رصده، إنما إذا اختفت أعراض الفيروس، أو كانت أعراضه طفيفة، فإنه ينتشر خفية، فإذا كان الفيروس موجودا في أحد أشكاله سابقا، فهل كنا في جائحة لسنوات ولا نعلم؟.