هناك جمل قصيرة في كلامنا نتواصل بها، ومفردات تشكل مختصرات اصطلح المجتمع على دلالتها، وقد لا تدل في ظاهرها على المعنى نفسه الذي اصطلح عليه، وقد نالت شهرة في تداولها، وكان لفهم معناها أثر كبير في استخدامها وتضمين الكلام شيئا منها اختصارا من باب: ما قل دل.

واختصار الحديث بالجمل المشهورة والأمثال والحكم، يوصل المراد دون خلل في السرد قولا أو قصة وحكاية.

لأن الاختصار في كثير من الأحيان أكثر فائدة من الإطناب أو الإسهاب الممل، ولأن الناس لديهم من الأعمال والانشغال ما يملأ كل فراغ، ويعز عليهم إذا أتيحت لهم فرصة الاجتماع في المجلس أن يضيع الوقت في سرد ممل في وصف حالة أو شخص أو موضع وموضوع، ومن هنا كانوا يميلون إلى اختيار الكلمة الدالة والجملة المختصرة والعبارة الموجزة دون تفاصيل، ومع مرور الوقت والتعود صارت تلك المصلحات مدركة الدلالة، مع العلم أنها لا تفهم بالمعنى نفسه في مجتمع آخر.

مثل: رخمة، رخوم، وسيع بطان، زيزوم، شغموم، صتيمة، ردي، طير شلوى، نشمي، ولد، شقردي، فزوع، قرم، حطه على يمناك، فلان يشفيك. فلان يوهقك، شيمة، سنع، هقوة، روابع، ذيب امعط، سبع، حصني، حصيني، ثعل، بومة..الخ

وعلى هذا فقد يقال كلمة واحدة تغني عن الشرح.

ونأخذ جملة أو عبارة من  العبارات التي تختصر وصف الشخص النبيل الطيب للمثال كقولهم فلان (وسيع بطان)

 وليس البطان المقصود هو الحبل المجدول من الصوف يوضع لربط الرحل ويلتف أسفل بطن الدابة، من جمل وغيره، فهذا يشد (يكرب) ولو ترك راخيا واسعا لمال الرحل وسقط.

 يقول الشاعر عبدالمحسن الصالح:

أرخ الحقب واكرب بطانه ورده ..

 والكور من جبه استاده شطير

 والتعليلات التي نقرأها ونسمعها حول معنى وسيع البطان، كلها مقبولة، لكنها تعليلات متكلفة.

فالبطان لا يقتصر على ذلك الحبل من الصوف فقط لنحصر الفكرة حوله وحول الجمل وغيره، وإنما المعنى يتسع.

فالبطانة والبطائن تأتي داخل الأشياء تبطنها، وتحميها فهناك بطانة الثوب وبطانة الأوعية الدموية، وبطانة الرجل ممن يؤانسه ويلازم مجلسه، وكذلك البطان: وهو الحبل الذي يمر بالبطن لكي يشد الأحمال على الظهر.

وبطن الرجل جوفه وبطن المنزل وسطه وما يبطن من رؤية تأخذ كل ما حوله ناحية المقبول والسلامة القلبية.. الخ

وهكذا فالمعنى ليس حبلا يربط، ولا سعة في ذلك الحبل، والعكس صحيح فالبطان المرخي لا يؤدي كامل عمله، والمشدود أولى أن ينفع.

وعلى هذا فالرجل يمدح مدحا عاما بما يحوي صدره وما يطوي قلبه وما يبطن من استعداد لكل خير فيتحمل هذا ويتغافل عن ذاك، فهو ليس ضيق النفس ضعيفها بل حسن النية وما يخفيه أوسع من ظاهر ما يرى منه، ليس غاشا يخفي الخديعة، بل  يتسع صدره  للكل لا لنفسه فقط، ولديه قبول للتنوع والاختلاف، وعكسه يقال عنه: ردي.

والردي له من التعريفات الكثير، فتنطبق على الردي كل الصفات السلبية، كما يقال أيضا ضعيف روابع، والروابع معروفة وهي ما يسمونها هقاوي، وعزوم وتطلعات وقدرة على تحمل المكشوف والمخفي من المخاطر.. الخ.

 يقول الشاعر محمد الجذع:

لا تلتفت للناس خلك من الناس   

من يلتفت للناس يفداك حاله

تراك مانت بخير لاصرت حساس   

 ادناه ما ضيقك في كل حاله

خلك (وسيع بطان) لا تشكي الباس    

واللي يغث النفس دور بداله

المحترم حطه على العين والراس  

والا الردي خيبان مالك وماله

  ويقول الشاعر الأمير: عبدالله بن رشيد:

طش النعول لداعج العين يا حسين

واشلق لها من ردن ثوبك ليانه

جنّب احثاث القاع وانشد لها اللين

واقصر اخطى رجليك وامش امشيانه

يا حسين والله ما لها سبت رجلين

يا خوك شيّب بالضمير اهكعانه

لو تنقله نقلٍ ترى ما بها شِين

ترى الخوي يا حسين مثل الأمانه

ما يستشك يا حسين كود الرديين

والا ترى الطيّب وسيعٍ ابطانه..

الذئب مضرب مثل للإنجاز