يُعد شعر التهاني من الأغراض التي تتفرع من المديح، وكان أول من افتتح شعر التهاني في العصر العباسي هو الشاعر أحمد بن محمد للخليفة المأمون، ثم أصبح ذلك سُنَّة عامة، وقد أخذوا يهنئون في هذا العصر بالأعياد، والمواليد، والسلامة وغيرها من المناسبات.

ويؤكد أحمد محمد الخزاعلة في دراسة أعدها أن شعر التهاني يمثل ظاهرة جديدة في الشعر العربي، ويعد لونـاً مـن ألـوان الـشعر الاجتماعي ذي الصلات والروابط التي تسهم في تماسك المجتمع، وباباً من أبواب التعبيـر عـن النفس الإنسانية في حال فرحتها ومسرتها، فهو يتناول بين سطوره معاني: الصداقة، والمحبـة، والإخوة، وهو من أجل ذلك يقرب أن يكون من أرق الإخوانيات لفظاً وألطفها عاطفة. تعد ظاهرة التهنئة ظاهرة اجتماعية قديمة، عرفتها الأمم الأخرى وكانت لوناً من التكافـل الاجتماعي المهم آنذاك، وكان للتهاني في الإسلام شأن فقد جاء في كتاب الله مـا يماثـل هـذا المعنى ويضاهيه.

وأشار الخزاعلة إلى أن هذا اللون في الشعر العربي تعمق أكثر فأكثر حتى نضجت هذه الظاهرة "شعر التهاني" في العصر العباسي، فأصبح هذا الغرض غرضاً رئيساً من الشعر الإخواني الذي يعبر عن عواطف الإنسان ودفقاته الشعورية ومشاعره الإنسانية. وقد ارتبطت التهاني آنذاك بشقي الأدب (الشعر والنثر) ارتباطاً وثيقاً، ليس فقط في كونـه يسجل انطباعات أصحابه الوجدانية، وخلجاتهم النفسية، وإنّما لأنه ينطوي أيـضاً علـى دلالات اجتماعية، وسياسية، ودينية كثيرة، تظهر في مناسبات المجتمع علـى تنوعهـا بتنـوع أجنـاس المجتمع العباسي بشرياً، وعرقياً، وسياسياً، واجتماعياً، ودينياً. ويمكن القول: إن شعر التهاني من الأشعار التي مالت إلى الرقة، واللين، والسهولة، واليسر في التعبير، كما أنها حفلت بالتصوير والابتكار في المعاني والصور، وقد ساعدت طبيعة الحيـاة العباسية وما فيها من غنى سياسي، وديني، واجتماعي، على انتشار هـذا اللـون مـن الـشعر وازدهاره في هذه المدة.

وفي هذا الجانب سنقتصر على تهاني العيد في العصر العباسي، رغم أن "التهاني" لها عدة جوانب منها تهنية الخليفة وانتصار المسلمين في الفتوحات الإسلامية وتعين الوزراء وغيرها.

أولاً: التهنئة بعيد الفطر:

يمثل العيد مبعث سعادة وسرور، فيجد فيه الشعراء مناسبة لتقـديم التهـاني، فهـذا ابـن الرومي يقدم تهنئة للمعتضد بقدوم هذا الصاحب المودود، فيقابل الشاعر بين أعماله في رمضان من الصوم، والتعبد، والنسك، إلى الفطر من الجود والكرم، مثنياً عليه بالدعاء بطول العمر لـه،

فيقول:

قَـــدِم الفطـــر صــــــــــــــاحباً مــــــــــــودوداً

ومــضى الــصوم صــاحباً محمــوداً

ذهــب الــصوم وهــو يحكيــك نُــسكاً

وأتــى الفطــر وهــو يحكيــك جــوداً

وشــــبيهاك لا يخُونــــاك العهـــــــــــــــــــــــد

لعمــري بــل يرعيــان العهــــــــــــــــــــــودا

وســــتبقى عليهمــــــــــــــــــــا ويعـــــــــــودان

كمــــــــــا أنــــــــــــــــــت مـــشْتَهٍ أن يعـــودا

كما نجد عند البحتري في تهنئته للمتوكل بعيد الفطر أثناء مسيره إلـى دمشق، مستغلاً الشاعر هذا المسير في تقديم تهنئة لأهل الشام بمقدمه إليهم، موضحاً أفضاله في شهر رمضان ومحاسنه، فقد عصمه االله بتقواه وورعه، فلا قبح ولا لغو في كلامه، مقدماً سـعياً صالحاً يبتغي ذخره، حتى غدا كأنه مضى عام من عيد الفطر إلى عيد الفطر محفوفـاً بالبركـة والإيمان. فيقول:

هنيئــاً لأهــلِ الــشامِ أنّــــــــــــك ســائر إلــيهم

مــسير القَطْــرِ يتْبعــه القَطْـــــــــــــــــــــــــــــر

مضى الشَّهر محمـوداً ولـو كـان مخْبـراً

لأثنــى بمــا أَوليتَ أيامـه الــشَّـــــــــــــــهر

عــصِمتَ بتقــوى االلهِ والـــــــــــورعِ الـــــــــــذي

لــديك فــلا لَغْــو أتيــت ولا هجــــــــــــــر

وقــدمتَ ســعياً صــالــــــــحاً لــك ذكـــــــــــــــره

وكـلُّ الــذي قــدمتَ مــن صــالح ذُخْـر

وحـالَ عليـك الحـولُ بــالفـــــــــــــــــطرِ مقْبلاً

فبــاليمنِ والإيمــانِ قَابلــك الفِطــــــــــــــــــر

ثانياً: التهنئة بعيد الأضحى

إن لارتباط الأعياد بأداء الفرائض معاني سامية، وذلك ربط فرحة العيد بالتوفيق فـي أداء الفرائض، لذلك فإن العيد يعد من شعائر العبادة في الإسلام، لهذا حظي عيد الأضـحى باهتمـام الأدباء، فقد عُني بعض شعراء العصر العباسي بإزجاء التهاني في هذه المناسبة السعيدة مقـدمين التهاني لممدوحيهم بعيدهم، ومتجدد أيامهم، تهنئة تنظم السعادات وتتـضمن الخيـرات، آخـذين بأكمل الحظوظ، وأوفر السعود.

يزف الشعراء التهاني بالعيد، مزينين ممدوحيهم بأحسن الأحوال وأرغدها، كما في تهنئـة المتنبي لسيف الدولة بعيد الأضحى، مقدماً معنى جديداً لتهنئته في جعل ممدوحه عيداً للعيد، يحل محله في القلوب، مرتدياً الأعياد المتكررة، فما يمضي عيد إلا وأتاه عيد آخر، ويغدو هذا العيـد كحال سيف الدولة بين الناس، فيقول:

هنيئـاً لــك العيـــــــــد الــذي أنـت عيــــــــــده

وعيــد ٌلمــن ســمى وضــحى وعيـــــــــدا

ولا زالـــتِ الأعيــــــــــــــاد لُبـــسك بعــــــــــــــــده

تُـــســــــلِّم مخْروقُـــــــاً وتُعطَـــى مجـــــــــددا

فذا اليوم فـي الأيـامِ مثلُـك فـي الـورى

كمـا كنـتَ فــيهم أحــدا كــان أو حــدا

هــو الجـد حتـى تفْـضلُ العـين أختَهــا

وحتــى يكــــــون اليــوم لليـــــــــومِ ســيـــــــدا

ويرى الشريف المرتضى في تهنئته أباه بالعيد، مناسبة سعيدة تجلي النفس من همومها، لتبدو له في غبطة وسرور بهذا اليوم الذي تمحي فيه الذنوب، فيقول:

وليهنيِـــك العيـــد الـــذي عزبـــتْ

عنـــه الهمـــوم وأطبـــق الجـــذَلُ

يـــوم تطـــيح بـــه الـــذّنوب كمـــا

دفـــع الغُثـــاء العـــارض الهطِـــلُ

فاس ـــعد بـــه فـــالـــــــــــعز مؤتَنَـــفٌ

بقدومـــــــــــــه والمجــــــــــــــد مقتبِــــــــــلُ

واســـلم علـــى نُـــوبِ الزمـــان وإن

شَـــقيتْ بهـــا الأمـــلاك والـــدولُ