القرار يستثني الحقوق المكتسبة لمنتسبي الجامعات المستقلة ويركز على المنتسبين الجدد لهذه الجامعات من الناحية الإدارية والأكاديمية إلى حد ما، مرحلة البكالوريوس مستثناة وتبقى مجانية بينما يتيح القرار التوسع في برامج الدراسات العليا المدفوعة..

لا بد أن تكون خطوة استقلال الجامعات مثيرة للتساؤل، خصوصاً بعد صدور قرار استقلال ثلاث جامعات سعودية قبل عدة أيام شملت جامعة الملك سعود وجامعة الملك عبدالعزيز وجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل. والواضح أن القرار ركز على المناطق الرئيسية الثلاث التي تحظى بوفر اقتصادي وجاذبية استثمارية وهو ما يعني أن استقلال الجامعة يركز بشكل أساسي على "الفطام أو شبه الفطام المالي" المعتمد على دعم الدولة. على أن قرار الاستقلال يشمل كذلك البنية الأكاديمية والنظام الإداري وهو الأمر الذي يعني أننا مقبلون على هوية جديدة للجامعة السعودية خلال السنوات القليلة القادمة متمثلة في هذه الجامعات الثلاث والجامعات الأخرى التي سيشملها القرار في المستقبل. هذه الهوية تفرض وجود بيئة إبداعية على المستوى الأكاديمي والمستوى الاستثماري والإداري. نحن نتحدث هنا عن ثلاثة عقول مختلفة في ترتيبها ورؤيتها وأسلوب معالجتها للقضايا ويصعب أن تلتقي في عقل واحد، فهناك عقل الأكاديمي وهناك عقل المستثمر وأخيراً عقل الإداري، فكيف ستلتقي هذه العقول الثلاثة في المستقبل لتصنع جامعة سعودية بهوية جديدة.

سوف أضع هنا تصوري الخاص الذي ليس بالضرورة يعبر عن نظام استقلال الجامعات لكن يمكن أن نبدأ من أحد القرارات المهمة في النظام وهو التعاقد مع رئيس الجامعة كل ثلاث سنوات على نظام العمل وهذا يغير بشكل أساسي دور المدير التقليدي للجامعة ويجعل منه رئيساً تنفيذياً وقائداً للعلاقات العامة لتوسيع الفرص الأكاديمية (من الناحية الحصول على فرص بحثية واستقطاب للطلاب المتميزين) والفرص الاستثمارية لضمان ثبات التوازن المالي للجامعة بالإضافة إلى دوره في التنسيق بين العقول الثلاثة داخل الجامعة. هذا لفت نظري إلى أهمية وجود استقلالية للعقول الثلاثة داخل الجامعة بحيث لا تدار مركزياً ويتاح لكل منها أن يبدع لكن داخل الإطار الذي تحدده استراتيجية الجامعة التي يعمل على تحقيقها رئيس الجامعة.

القرار يستثني الحقوق المكتسبة لمنتسبي الجامعات المستقلة ويركز على المنتسبين الجدد لهذه الجامعات من الناحية الإدارية والأكاديمية إلى حد ما، مرحلة البكالوريوس مستثناة وتبقى مجانية بينما يتيح القرار التوسع في برامج الدراسات العليا المدفوعة. هذا يعني أن جزءاً من البنية التقليدية من الجامعة في مجاليها الأكاديمي والإداري تم حقنه في النظام الجديد مما قد يجعل من هذا النظام شبه مهجن أكثر من أنه ثورة على الهوية التقليدية للجامعة السعودية. أستثني من ذلك العقل الاستثماري الذي يشكل نقطة تحول جديدة في بنية الجامعة.

إذاً نحن أمام تحول يستغرق وقتاً طويلاً في البنية الأكاديمية والإدارية نتيجة لبقاء الكوادر في الجامعة كما هي قبل استقلالها. أنه مأزق مهني حتماً على القرار الجديد الالتزام بحقوق هذه الكوادر. الأمر الذي يجعل من القدرة على إبراز هوية جديدة للجامعة المستقلة تكتنفه صعوبات عديدة. وهذا سوف يتكرر مع جميع المؤسسات الحكومية التي ستحتاج إلى إصلاحات إدارية ومالية في المستقبل. يبدو أننا أمام مساءلة جادة لي مفهوم "التغيير" الذي يتطلع له استقلال الجامعات.

إذا السؤال هو ما هو التغيير المتوقع في الجامعات المستقلة مع الاستثناءات الكبيرة التي تسمح بتسلل النظام القديم إلى هوية الجامعة الجديدة؟ فإذا لم يسمح التغيير في تحرير مرحلة البكالوريوس من ركودها المدرسي، وإذا لم يحرر عقل الطالب من استجداء المعلومة ويدفعه إلى التفكير خارج المتوقع وخوض غمار الإبداع، فلا يمكن أن نسمي هذا التغيير تغييراً حقيقياً. وإذا لم تستطع الجامعات المستقلة انتقاء طلابها وطالباتها بعناية وتحويلهم إلى كوادر وطنية خلاقة يتحملون مسؤولية المستقبل، فما هو التحول إذاً!

بشكل عام ما يحدث من حراك وتغيير في الجامعات السعودية يبشر بالخير، فما تدفع له رؤية 2030 وما يطمح له ولي العهد...حفظه الله... لا بد أن يقود إلى حلول قريبة للمشكلات التي قد تبطئ التحول في الوقت الراهن. التعليم على وجهه الخصوص هو ركيزة المستقبل وبذل كل الجهود والمحاولات وتكرارها يمثل هدفاً إستراتيجياً لا غنى عنه. ولا بد أن أقول إن بدأ مرحلة استقلال الجامعات يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ تطوير التعليم العالي بالمملكة وأنا متيقن أنه كما تسلل بعض من النظام القديم إلى النظام الجديد، سوف تسلل كثيراً من القيم والأفكار والطموحات الجديدة إلى البنية التقليدية وتعيد تكيفها.