أكد صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن طلال - رئيس المجلس العربي للطفولة والتنمية - أن مبادرة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لحماية الأطفال من مخاطر الفضاء السيبراني، أتت في وقت مهم مع تزايد المخاطر المتنوعة من الإنترنت خصوصاً الألعاب الإلكترونية عبر الشبكة "أون لاين". وطالب في حديثه لـ"الرياض" بضرورة العمل الميداني بين الجهات المختلفة والمدارس، وأن لا يكون الأطفال في المجتمعات الفقيرة الأكثر تضررًا من آثار جائحة كورونا، مؤكدًا أن التقديرات تشير إلى أن هناك 15 مليون طفل يستغلون في سوق العمل بالمنطقة العربية، مُشيداً بجهود المملكة في مجال حماية الأطفال والتنمية حتى أصبحت نموذجًا متقدمًا، مرجعًا ذلك إلى السياسات الحكيمة المبكرة التي انتهجتها المملكة، وفيما يلي نص الحوار.

خطوات رائدة

  • لنبدأ من آخر المستجدات حيث أعلن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، عن مبادرة لحماية الأطفال في الفضاء السيبراني، وهذا يصب في صميم اهتمام المجلس العربي للطفولة والتنمية الذي تترأسونه، فكيف تلقيتم هذه المبادرة؟

  • بالتأكيد إن هذه المبادرة تأتي في وقت بالغ الأهمية مع تزايد مخاطر الفضاء السيبراني على الأطفال إما عبر الألعاب المشتركة والجماعية، سواء كان محتوى أو حواراً، أو التصحف دون الرقابة الأسرية، وكل أشكال المخاطر في عالم الإنترنت وما يصاحبه من مخاطر على الأطفال، وبالفعل نحن في المجلس نعمل على برامج من هذا النوع كان آخرها عدم استغلال الأطفال في المحتوى الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها وحتى عرض الأطفال في وسائل الإعلام بالطريقة التي تضرهم.

    نحن مؤمنون بأن المملكة ستتخذ خطوات رائدة في هذا المجال، ونحن على المستوى العربي نسعى إلى تشجيع جميع الأطراف على ذلك سواء كانت حكومات أو مؤسسات مجتمع مدني وحتى المؤسسات الصديقة في الأمم المتحدة مثل اليونيسيف ومفوضية اللاجئين، وأهم ما نحتاجه اليوم أن تعمم مبادرات شبيهة وتترجم عملاً على الأرض مثل ورش عمل مع المدارس والجمعيات وبرامج المسؤولية الاجتماعية.

مخاطر الفضاء السيبراني تتزايد.. وكورونا يهدد باستغلال 15 مليون طفل

تحديات كبيرة

  • حذرت بعدم استغلال الأطفال، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تعيشها المنطقة أو بشكل عام، من أي منطلق جاءت تلك التحذيرات؟

  • ما من شك من أن هناك تحديات جساماً تواجه المنطقة خاصة خلال السنوات الأخيرة، والتي غالباً ما يكون أول المتأثرين بها الفئات الهشة والضعيفة وفي مقدمتهم الأطفال، حيث تبين التقارير والمؤشرات بل والمعايشة اليومية أن الطفل العربي يعاني من تدهور وتراجع في حقوقه، خاصةً فيما يتعلق باستغلاله اقتصادياً سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا ما يمثل صميم اهتمامنا في المجلس العربي للطفولة والتنمية الذي نشرف برئاسته، وهذا المجلس الذي تأسس العام 1987م بمبادرة من سيدي الوالد الأمير طلال بن عبد العزيز - رحمه الله - فقد أكد المجلس عبر مسيرة عمله أن قضية عمل الأطفال تمثل إحدى أبرز قضايا انتهاك حقوق الطفل والإساءة له، ومن هنا جاء تحذيرنا وفي هذا التوقيت بالغ الحساسية الذي يعاني فيه العالم أجمع من أزمة جائحة كورونا التي من المؤكد ستخلف تداعيات من بينها تفاقم وتنامي أعداد الأطفال العاملين.

اهتمام خاص

  • ما أبرز أنشطة ومخرجات المجلس؟

  • المجلس العربي للطفولة والتنمية هو منظمة عربية تنموية تعمل على رعاية وحماية وتنمية حقوق الطفل العربي، وفي إطار هذه الرؤية فقد أولى اهتماماً خاصاً بقضية عمل الأطفال، وكان له دور مع عدد من الشركاء في رصد ظاهرة عمل الأطفال والتصدي لها إقليمياً، وإعداد الدراسات والأدلة التدريبية، فضلاً عن تنفيذ مشروعات تنموية، وعقد ورش عمل من شأنها إعمال حقوق الطفل العربي ووقف استغلاله اقتصادياً، ومنها أيضاً الشراكة مع جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية في إعداد الاستراتيجية العربية للحد من عمل الأطفال في العام 2019م، ومؤخراً شارك في إعداد دراسة إقليمية بعنوان "عمل الأطفال في الدول العربية".

ظاهرة قديمة

  • عمالة الأطفال في العالم العربي ظاهرة منتشرة وتتسع أكثر فأكثر، أين أساس المشكلة وما الحل الجذري؟

  • يعد عمل الأطفال ظاهرة قديمة في بعض بلدان المنطقة العربية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بقطاعات بعينها مثل الزراعة والمهن الحرفية التقليدية الصغيرة والصناعات غير الرسمية كصناعة الملابس والسجاد، بالإضافة إلى بعض الأنشطة المتعلقة بالبناء، ولكن على مدى السنوات العشر الماضية التي شهدت فيها المنطقة اضطرابات سياسية واقتصادية وصراعات وحروبًا كبيرة، مع ما نجم عنها من نزوح جماعي للسكان، داخل الدول ولجوء فيما بينها، كل ذلك أدى إلى تغير الوضع وتفاقمه، حيث شهدت المنطقة العربية زيادة مطردة في الاستخدام المباشر وغير المباشر للأطفال باعتبارهم من أكثر الفئات ضعفاً، ما ينطوي على مستوى خطير ومقلق من الاستغلال والإساءة، ويعتبر انتهاكاً مباشراً لاتفاقية حقوق الطفل.

    لقد أصبح هناك حاجة ملحة وفورية لحماية الأطفال، مع معالجة الأسباب الجذرية والعواقب المترتبة على زيادة عمل الأطفال، والقضاء لا سيما على أسوأ أشكاله، وذلك من خلال ضمان الالتحاق بالدراسة ومعالجة أسباب التسرب المدرسي وإعادة التأهيل، وكذلك ما يرتبط بهذه الظاهرة من تجفيف لمنابع الفقر والحد من البطالة، وتوفير شبكات الحماية الاجتماعية، واستقرار الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة العربية.

أطر قانونية

  • هل تسعى إلى تحركات - عالميًا وإقليميًا - للدعوة والعمل لتطبيق أطر قانونية وتشريعية، لحماية هؤلاء الأطفال؟

  • يسعى المجلس العربي للطفولة والتنمية ضمن التحرك العالمي والإقليمي بالدعوة والعمل إلى تفعيل الأطر القانونية والتشريعية، لأنها في الأساس موجودة، مع توفير المناخ اللائق للأحداث والاندماج المالي، والعمل على وضع سياسات لتوفير الحماية الاجتماعية والحد من الفقر، فالفقر هو أساس المشكلة الذي يدفع بالأسر إلى الموافقة على توظيف أبنائها.

  • ما أبرز التحديات والعقبات التي تواجه توجهاتكم في المجلس العربي للطفولة؟

  • على المستوى المؤسسي والشراكات لا توجد، فالمجلس يتمتع بوضعية اعتبارية منحته الثقل والمصداقية إقليمياً ودولياً، ويبرز ذلك من خلال علاقاته مع جامعة الدول العربية والكيانات المرتبطة بها، والأمم المتحدة ومنظماتها مثل اليونيسيف والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية، وكذلك المؤسسات الحكومية والأهلية ذات العلاقة، ونشير بصورة خاصة إلى الارتباط الوثيق بين المجلس وبرنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند)، كون المجلس إحدى الأذرع التنموية لأجفند - هذه المنظمة النشطة التي أسسها سمو الوالد رحمه الله في العام 1980م -، لكن يظل التحدي الأكبر هو ما يواجه الطفل العربي من مشكلات تمثل عائقاً نحو إعمال حقوقه.

تدابير فورية

  • ما "الرق المعاصر والاتجار بالبشر"؟، وهل تسعون إلى استئصاله وحظره؟

  • نأسف كثيراً إلى العودة لاستخدام هذه المفاهيم التي كنا نعتقد أنها انتهت منذ زمن، أو أن تظهر أنماط جديدة من الاستغلال الاقتصادي للأطفال تصل إلى حد الاتجار بالبشر، وكلها تمثل أسوأ أشكال عمل الأطفال، والتي يجب اتخاذ تدابير فورية وفعالة من كل الأطراف المعنية للقضاء عليها وفق ما أقرته المواثيق والاتفاقيات المعنية بحقوق الطفل، وسعياً نحو تنفيذ أهداف التنمية المستدامة بإنهاء عمل الأطفال بجميع أشكاله بحلول العام 2025م.

  • كيف ترى أدوار المملكة إقليمياً وعربياً تجاه ظاهرة تشغيل الأطفال والاتجار بالبشر، وما تصنيف المملكة في المنظمات العالمية والعربية؟

  • تعد المملكة من الدول التي تنعدم فيها هذه الظاهرة، بل إنها تعد نموذجًا عالميًا في مجال التنمية البشرية، وهذا نتاج أعوام طويلة من السياسة الحكيمة والرشيدة، بالاستثمار في الإنسان والحرص على الجانبين الأمني والاجتماعي حتى في أوقات الأزمات مثل التي نعيشها اليوم بسبب آثار جائحة كورونا، وأكبر دليل على ذلك تقدم المملكة إلى المرتبة 36 في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية وذلك وفقاً لتقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2019م.

  • كم عدد الأطفال الذين يتم استغلالهم في العمل؟

  • تشير التقديرات العالمية لمنظمة العمل الدولية إلى أن هناك نحو 152 مليوناً ضحايا عمل الأطفال، 73 مليوناً منهم، أي أكثر من نصفهم، يعملون في أعمال خطرة عليهم، أمّا في المنطقة العربية فهناك غياب لأرقام إقليمية عامة وشاملة حول عمل الأطفال، إلاّ أن التقديرات تشير إلى وجود ما يقرب من 15 مليون طفل عربي عامل، بل وتؤكد المؤشرات مع أزمة جائحة كورونا أنه سيكون هناك ازدياد مطرد في أعدادهم.

ترحيب وتأييد

  • دعا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز - حفظه الله - قادة دول مجموعة العشرين إلى تحمل المسؤولية ومد يد العون للدول النامية والأقل نمواً لبناء قدراتهم وتحسين جاهزية البنية التحتية لديهم لتجاوز أزمة "جائحة كورونا" وتبعاتها، ما انعكاسات المبادرة على الأطفال؟

  • لقيت دعوة خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - ترحيبًا وتأييدًا من قيادات العمل الخيري في العالم العربي، وأخذه - رعاه الله - زمام المبادرة كعادته، بالدعوة إلى تلك القمة الافتراضية وكل ذلك نابع من دور المملكة القيادي على المسرح الدولي، وحرصه الشخصي على ألاّ تتأثر المجتمعات المحتاجة بجائحة كورونا المستجد وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية، ولم تتوقف الجهود بعد تلك القمة بل شهدنا سلسلة من المبادرات التي تصب أولًا وأخيرًا في خدمة الإنسانية.