فقدت الصحافة أحد نجومها المضيئين فقد هوى خلف أفقه البعيد.. تماماً كما يهوي النجم الدري في ليلةٍ شتائية.

ذلكم هو الفقيد الأستاذ فهد العبدالكريم، والأستاذ فهد بنى نفسه بنفسه ولم يأتِ من خلال علاقة أحد، وإنما جاء من عالم ذاته واستطاع أن يشق طريقه ثم يلمع بجدارته وقدرته كمبدعٍ موهوب. وعلاوةً على موهبته الصحفية فهو يتجلى بموهبةٍ أخرى وشخصية نادرة قوامها الأخلاق والرزانة والهدوء. فلم يكن ممن يحبون الجلبة والضوضاء الصحفية، بل كان يمارس مهنته بإدراكٍ ووعي وحكمة، فلم ينزلق مرة في تلك المزالق التي يقع فيها بعض مدعي الصحافة من أجل كسب الأضواء والبريق الخادع، بل كان يمشي على مهل دونما انزلاقٍ أو سقوط.

وإذا كانت المطبوعة تأخذ عادة شكل سلوك وطباع القائم عليها في كثيرٍ من الأحيان فقد كان - رحمه الله - محايداً لا يعتسف العمل الصحفي وفقاً لما يريد وإنما وفقاً للحقيقة واحترام المهنة وصدقها؛ لذلك فهو أحد من برزت شخصيته وسلوكه الصحفي الرائع في مسيرة "الرياض" فالمهنية فوق أي اعتبارٍ.

وإذا كانت "الرياض" في مسيرتها هي حلقاتٌ متصلة من رؤساء رائعون مروا على تاريخ قيادتها فإن الأستاذ فهد من أولئك الذين جملوها بالرصانة والصدقية والنزاهة الصحفية، وفوق ذلك كان - رحمه الله - يتحلى بتلك الخصال الرائعة من البشاشة واللباقة مع الآخرين بأخلاق رفيعة سامية.

والصحافة دائما تخلف وراءها الأسماء البارزة اللامعة والذين تركوا أثرهم في ذاكرتها.

بذا فالمرحوم أحد تيجانها الذين اعتمرتهم على رأسها في مسيرتها. وسيظل اسم فهد منقوشاً ومحفوراً على جدارها التاريخي مع تلك الكوكبة التي حملت مشعلها ثم اختفت كما تختفي الكواكب خلف أفقها البعيد.

رحم الله الأستاذ فهد رحمة واسعة، وأبهجه بما يحب حين يلقى وجه ربه الغفور الرحيم.