من أشهر الأحاديث ما وصى به الرسول عليه الصلاة والسلام بالاعتناء بالأم لما سأله السائل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فكرر الأم ثلاثاً قبل أي شخص آخر.

حق الأم معروف ولا نحتاج أن نسهب فيه، لكن ما أود ذكره أن الكثيرين قد لا يعرفون التأثير طويل المدى للأم، ولا أقصد التربية وحدها بل الآثار التي لا تشعر بها لحب أمك لك، آثار ترى الطبيبة النفسية المتخصصة في النمو والتربية ماري اينزوورث أنها أهم عامل يؤثر على نفسيتك وعلاقاتك في مراحل لاحقة من الحياة، فقد صنعت تجربة أثبتت صحة الفكرة الشائعة في علم النفس أن ما تفعله الأم مع ابنها في الصغر يؤثر عليه بشدة في الكبر (سواء سلبياً أو إيجابياً)، ودَرَسَت حالات الكثير من الأطفال وراقبتهم منذ صغرهم إلى أن كبروا.

من نتائج الدراسة أن الأم التي رعت ابنها نفسياً وعاطفياً أنتجت ولداً أكثر ثقة واستقراراً ونجاحاً وسعادة ولطفاً وعزماً وصبراً وكفاءة وحياة اجتماعية. كل تلك العناصر المهمة تأثرت بالأم. هل كنت تظن أن مثلاً نجاحك وصبرك وحياتك الاجتماعية تتأثر لهذه الدرجة بأمك؟ يبدو مستبعداً لكن التجارب وجدت هذه التأثيرات المفاجئة. لكن العكس الصحيح، فالأم التي فيها قسوة وكراهية وبرود وعدم استجابة لبكاء الطفل ومشاعره أنتجت رجالاً منعزلين مرتابين كتومين أصحاب غلظة وقلوب قاسية استمتعوا باضطهاد غيرهم.

أما القسم الأخير فهو الأم التي تنشغل كثيراً عن ولدها وتتصرف معه بتناقض بين اللطف والتجاهل، فهذه لما كبر أولادها صاروا مترددين فاشلين اجتماعياً شديدي الخجل معدومي الثقة. هذه التجربة والكثير غيرها أظهرت أن ما تفعله الأم مع ابنها بالغ الأهمية وسيبقى معه بقية عمره ويشكل شخصيته وحياته. لكن لا تُظهر التجربة أن الأم يجب أن تجلس مع طفلها ليلاً ونهاراً، فالكيف أهم من الكم.