في خطبة الوداع، بعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من إلقائها نزل عليه قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي"، وعندما سمعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان، والأصل كما قال ابن العربي: "وما من شيء في الدنيا يكمل إلا وجاء النقصان ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله".

وبمثل هذه القاعدة العظيمة لابد أن يبني الفرد جذوره ويسقي أغصانه، ويصلح باطنه وظاهره، وينتفع بما علِم وشهِد فالعلم بثمرته لا بآلته فمن ضيّع الثمرة لن تنفعه الآلة.

وكل هذا أُثبت وأُكّد عبر صروف الدهر وأحداث الزمان، فكل من ادّعى الكبر صغُر، وكل من ادّعى الكمال نقُص، وما من شيء إلا وله زوال، فهذه الأندلس بعد أن كانت أقليماً وحضارة إسلامية لا مثيل لها بادت وسقطت، كما ذُكر في نونية أبي البقاء الرّندي التي نظمها بعد سقوط آخر أراضي المسلمين في الأندلس.

لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ

فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ

هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ

مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمان

وجوامع هذه الحقائق التاريخية وغير ذلك مما يتعسر الإحاطة به وتقصّي خبره في مثل هذا المقام، ظاهرة من قوله تعالى: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام". ولا بُد إنّ من شأن هذه القاعدة أيضاً ما يتضح بتأمل الوضع الإنساني من حيث إِدّعاء العلم في حالة فقدانه، والفخر بالفكر في حالة انحطاطه وما مثلهما.

فمن هنا يظهر إنّ إحساس الفرد بالكمال يؤدي به إلى إملاق وافتقار، وإن الشعور بالاغتناء والاكتفاء بداية للخسارة والانتكاس، فمن توقف عن السعي فهو في الحقيقة بدأ بالنقصان، كما أنّ في محاولة الحفاظ على مستوى أو مرحلة ما يشعر فيها الفرد بالكمال، ويبتعد عن كل زيادة واتساع إفلاس وحرمان، فالعالم متجدد والعلم متبحر ومهما بلغ الفرد من علم ومعرفة فلا بد من وجود أسئلة لم يعرف لها جواب، ومفاهيم يكتنفها الكثير من الضباب.

ولا بيد أنّ سلوك الإنسان الذي يعكس في داخله الكبرياء والإحساس بالكمال في شكله المتضخم والمبالغ ما هي إلا مشاعر داخلية لدى الشخص تكون في الحقيقة مغايرة لما يظهر على حاله في الظاهر، مما يؤثّر عليه سلبًا، ويحد من إمكانية تقبله أو قبوله، كأنما اتخذ وضع الجمود ومن هنا تكون قمة اكتماله "كما يزعم" بداية لنقصانه.

غير أنّ هذه التصرفات ما هي في الحقيقة إلا دلائل وإرهاصات على شعور الفرد بالخوف من أنه ليس جيد أو متمكن، وما نحوهما ومؤشر على انعدام الأمان، وقلة الثقة مما ينتج عنه فقدان السيطرة والتمثيل والفخر بما يملك من علم أو ثروة أو مكانة أو ما شابه وإن قلّت، فكلما أصبح الفرد واعيًا أكثر علِم أنّه ما زال بحاجة إلى علم أكثر، وإنّ من الخطأ ما هو طريق للصواب والعكس وإنّ من اليقين ما هو باعث للشك، وإن الإنسان في حالة تعلّم دائم، كما قال الشافعي: "كلما أزدت علمًا، أزدت علمًا بجهلي" وكما قال سقراط: "الشيء الذي أعرفه؛ أنني لا أعرف شيئًا"