كان أحد الأصدقاء يعيش حالة ندم مستمرة لأنه بسبب ظروف خاصة لم يكمل تعليمه الجامعي رغم أن حصوله على الشهادة الجامعية لم يتبقَ عليه الا سنة واحدة فقط.. كان حين يقدم سيرته الذاتية يخجل من شهادته الثانوية.

كنت أحاول إقناعه أن النجاح لا يتوقف على الشهادة، وأحدثه عن أهمية المهارات والمواهب في كثير من المجالات، وأنه يستطيع تنمية الجانب العلمي بالقراءة.

كانت لدى الصديق هواية اكتشفها وبدأ في ممارستها وتطويرها حتى وصل بها إلى عمل تجاري ناجح.

ما سبق لا يعني أن الشهادات الجامعية غير مهمة ولكن النجاح قد يتحقق من دونها، ولكل طبيعة عمل وتخصص قد يتطلب الشهادة الجامعية وقد لا يتطلب ذلك.

من هذه الزاوية أقرأ قرار الحكومة الأميركية بتفضيل المهارة على الشهادة في التوظيف الحكومي. هذا لا يعني إلغاء دور الجامعات، ولكن يعني أهمية المهارة في التوظيف وإعطائها وزناً أكبر في دراسة طلبات التوظيف.

القرار لا يرفض أصحاب الشهادات ولكنه يعطي الأفضلية لمن يمتلك مهارات معينة يتطلبها العمل. هذا القرار يذكرنا بمبالغة بعض جهات التوظيف في تحديد المؤهلات العلمية المطلوبة، وسنوات الخبرة، وعدم إعطاء أهمية للمهارات المطلوبة. يطلبون خبرة عدد من السنوات من شخص لم يبدأ بعد مسيرته الوظيفية، رغم أنه موهوب ويمتلك مهارات مميزة. هذه معايير تحتاج إلى تغيير لأنها غير منطقية، وهي مجرد تقاليد إدارية راسخة.

ستبقى الجامعات مؤسسات علمية واجتماعية قيادية في مجال العلوم والأبحاث والدراسات التي تقدم المبادرات والحلول والمخرجات الضرورية في مجالات مختلفة.. علينا أن نقرأ هذا القرار من منطلق تعزيز أهمية المهارات وليس التقليل من أهمية الشهادات العلمية أو الدراسة في الجامعات. ولعلنا من هذا المنطلق نراجع موضوع توجه الشباب المكثف للدراسة الجامعية. إذا كان المطلوب ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل فلا بد من دور فاعل للمؤسسات والمعاهد الفنية والمهنية وتطويرها كماً وكيفاً بما يتفق مع احتياجات المجتمع. الجامعات لن تفقد دورها وتأثيرها، وستظل الحاجة إليها قائمة لأنها لا تعمل من أجل التوظيف فقط، الجامعات للعلم وللعمل والأبحاث وليس دورها محصوراً في الإعداد للوظائف.

لعل خلاصة هذا الموضوع هي التأكيد على أهمية التأهيل العلمي لكنه ليس المعيار الوحيد لقياس الكفاءة، وأن البعض يمتلكون مهارات مطلوبة وليس لها علاقة بشهاداتهم ويوجد في ميادين العمل الكثير من هذه الفئة وهم ناجحون في أعمالهم إلى درجة الإبداع.

قرار تفضيل المهارة على الشهادة في التوظيف الحكومي يعزز أهمية المهارات ولا يجب أن يفهم بأنه عدم أهمية الشهادات فالتخصص مطلوب وضروري في كثير من المجالات وفي مقدمتها الطب.