ختمت الندوة العلمية الدولية الأولى التي ينظمها مركز التميز البحثي في اللغة العربية بجامعة الملك عبدالعزيز جلساتها بعقد الجلسة الرابعة التي أدارتها الدكتورة رانية العرضاوي من جامعة الملك عبدالعزيز، وكان عنوان الجلسة تجليات التراث في الدراسات النقدية المعاصرة. بدأت الجلسة بورقة من تقديم الدكتورة صلوح مصلح السريحي أستاذ الأدب والنقد في جامعة الملك عبد العزيز بعنوان تأثير التراث الأدبي على صورة المرأة في العصر الحديث، وأشارت فيها إلى أن صورة المرأة في التراث الأدبي تتسم بالتعدد والاختلاف والتباين، وتخضع في تعددها لأنماط خطاب يخضع بدوره لتحولات مجتمعية مرت عليه وأثرت به بدءًا من العصر الجاهلي وانتهاء بالعصر الحديث، وحاولت السريحي في ورقتها الوقوف على مدى تأثير التراث الأدبي على صورة المرأة في العصر الحديث عبر دراسة مختصرة مقتضبة تبدأ بالعصر الجاهلي وتمر على العصر الإسلامي والأموي والعباسي وصولاً للعصر الحديث عبر نماذج من عيون الأدب شعره ونثره؛ لنضع صورة المرأة في سياقات عصرها ثم نفهمها عبر هذه السياقات. بعد ذلك قدم أ. د. عبد الفتاح يوسف من قسم اللغة العربيّة والدراسات الإسلامية في جامعة البحرين ورقة بعنوان الشعرية العربيّة القديمة ورهاناتها في النقد الحديث تفكيك النظام المركزي للإبداع في ضوء الأنثروبولوجيا الحديثة، مبيناً أن الورقة تبحث قدرة الفكر النقدي العربي القديم على إنتاج الأفكار التأسيسيّة لنظام الإبداع العربي، ورهانات الفكر النقدي الحداثي وما بعد الحداثي في استيعاب الأفكار القديمة وتمثّلها وإعادة إنتاجها في سياق معرفي جديد، وذلك بطرح سؤالين حول مفهومين إشكاليين تضمنهما العنوان الرئيس والفرعي: لماذا الشعريّة؟ ولماذا التفكيكيّة؟ وأشار إلى أن إجابة السؤال الأول عن قوانين الإبداع، وخصائص النموذج، وبنية العمل الموضوعيّة واللغويّة، تصبح الشعرية القديمة، في دراستنا، رِهانًا معرفيًّا يفتح الأفق المعرفي على اختيارات الذات المتكلّمة في الخطاب لنماذجها التلفظيّة، وتقاليدها الإبداعيّة، وأنظمتها التعبيريّة.

كما تكشف إجابة السؤال الثاني عن المقولات المركزيّة في نظام الإبداع العربي القديم، ونقد هذه المركزيّة، آملاً في إعادة النظر في هذه المقولات بما يسمح بإنتاج أفكار جديدة حول هذا النظام؛ لأنه من غير المقبول أن تظل المعرفة عن الشعريّة القديمة جامدة ومطلقة. فيما شارك عبد السلام محمود عبد الدايم باحث دكتوراه في جامعة عين شمس بورقة حول أثر التراث النقدي في النقد الحديث "السيميائية أنموذجًا"، أشار فيها إلى أن كتابات من التراث العربي عرفت منهجيات ما يسمى بعلم العلامات أو "السيميولوجيا"، وتقاطعت بشكل كبير مع كتابات المحدثين، إلا أنها لم تجد من يبني عليها ويؤسس لها، ولعل "ابن عربي" أبرز من تحدث عن حروف اللغة كما لو أنها موجودات تماثل مراتب الوجود، فقسمها إلى: "موجودات لا تشترط شيئاً، وموجودات تشترط شيئاً، وموجودات بشرط لا شيء"، وهو ما يماثل عند "بيرس" مصطلحات الأولانية، الثانيانية، الثالثانية". وختم د. حاتم التهامي الفطناسي الجلسة بورقة بعنوان: "النقد العربي القديم ومناهج التجديد: قطيعة أم استئناف إبستيمولوجي؟، موضحاً خلالها أن ورقته ترصُّد البذور الجنينية للحداثة النقديّة أو ترسُّم قوادح هذا الجديد في القديم، بما يجعلنا ننسّب الأمور ولا نقع في عقدة الغالب والمغلوب ولا ننبهر بـ"الآخر" ومنجزاته، وإنّما نفتح مساراً جديداً يرى في تحديث الآلة النقديّة وتشذيبها والتأكّد من مضائها وفاعليّتها، وفي الاستفادة من القديم بتقليديّه وتجديديّه سبيلاً إلى الوصول إلى المقاصد وتحقيق الغايات التي تتمحور أساساً في ما يمكن تسميته بـ"الاستئناف الإبستيمولوجي"، أي بعدم القول أو بالابتعاد عمّا سمّاه فلاسفة المعرفة "القطيعة الإبستيمولوجيّة"، باعتبار أنّ الدّرس النقدي العربي الحديث بمختلف مدوّناته، لم يخرج بحال من الأحوال عن إطار المدوّنة النقديّة القديمة، اضطراراً أو اعتباراً.