العالم أصبح قرية واحدة، لكن التسويق لم يعم كل القرى العالمية بما فيها نحن، فكم من دول سوّقت لنفسها وهي لا تستحق فأبهرت العالم وتربعت قواها الناعمة على صدورنا وشكلت ذهنية عنها ربما تكون أقل بكثير..

الحضارات لها مهد عراقة ومهدها هي أرضنا التي تأخذ موقع الصف الأول العالمي في الحضارة الإنسانية. وليس هذا مجرد رأي كاتب يعتز برؤيته فحسب، وإنما نتاج دراسة أكاديمة تقع في ما يقرب من 1400 صفحة، استغرقت مما يربو على عشر سنوات متواصلة من التحليل والدراسة والفحص للوصول لكنه الشخصية وهويتها عبر زمانها وفي مكانها، فلم تعتمد على التدوين كما هو معروف، بل تحليل كل ما خط من ما كُتب وما دونه الباحثون الشرقيون منهم والغربيون في هذا الشأن بحسب منهج نقد النقد.

حينها كان في الحلقوم غصة، لتدني علم التسويق والغفلة الإعلامية عنها، وكنت أتعجب من طمرها في سفوح الجبال ورمال الصحراء وهبات النسيم وشلالات المياه، وسراديب القرى وجدران المتاحف، والتي تثير العجب عندما أتحدث عنها خارج النطاق العربي، وبالرغم من كثرة كتب الباحين ودراساتهم وتدويناتهم، إلا أن المثل القديم يقول (ما حك جلدك مثل ظفرك) لأننا أصحاب هذا الإرث الإنساني العظيم!

واليوم وبحمد الله ثم بفضل قيادة واعية ورشيدة تم التوجه إلى تلك الكنوز على مستويين، المستوى الأول: الإبداع في الفنون القولية والحركية سوف تنهض به وزارة الثقافة عبر (الهيئة العامة للمسرح والفنون الأدائية) بجميع ألوانها وتصنيفاتها. أما المستوى الثاني فيتمثل في المعارف الشعبية والثقافة المادية، والتي تهتم به الآن وزارة السياحة والتراث الوطني، ولكل منهما شأن يغنيه من عناصر الخبر: (الطزاجة والدهشة والغرابة).

والآن وبعد طول انتظار نجد أن معالي رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للسياحة والتراث الوطني أحمد بن عقيل الخطيب يعلن –في الاجتماع الطارئ للمجلس العربي للسياحة- عن قرب افتتاح 38 موقعاً سياحياً في سبع جهات بحلول 2022 مقارنة بـ 15 موقعاً في 4 وجهات سياحية جاهزة لاستقبال السياح اليوم. ولم يقتصر هذا التوجه على ما هو منوط بالحركة السياحية كمشروع تنموي فحسب، وإنما أجمل ما في الأمر أنها جاءت تحت شعار (تنفس الروح السعودية)، بمعنى أنه أكبر وأعمق من أنها مشروعات سياحية، وإنما تعتمل هذه المشروعات (الثقافية والمادية) برمتها على إبراز الروح السعودية، وبمعنى أدق الهوية ذات المكان والإنسان بجميع تفاصيلها في موروث شعبي وتراث وطني ومادي حضاري يصل عمقه إلى ما قبل 5 آلاف عام قبل الميلاد كما ذكر التاريخ الحضاري.

والحقيقة أنها نهضة كبيرة في عالمنا الحضاري السعودي المعرفي بمستوييه (الثقافي، والسياحي) وإبراز (الروح السعودية كهوية وتراث وحضارة سابقة ومعاصرة) للعالم كله في سوق سياحي ورواج ثقافي فتح أذرعه للعالم أجمع بروح سعودية تتنفس العشق الإبداعي الشعبي والمادي عبر القرون والمستمر حتى الآن، سواء كان ذلك على مستوى الفنون الأدائية أو فنون الحضارة المادية نفسها بتراثها الوطني، في تقاسم ثقافي وحضاري معرفي بين وزارة الثقافة بقيادة معالي سمو الأمير بدر بن فرحان (هيئة المسرح والفنون الأدائية) ووزارة السياحة بقيادة معالي الوزير أحمد بن عقيل الخطيب، في الحضارة المادية وما يتبعها -في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزير، ورؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله– تلك الرؤية الثاقبة، الفاحصة، والمستنيرة الحريصة على الهوية، ثم الحرص الخروج بها عالمياً، من العمق الحضاري الفريد من نوعه، إلى عالم أوسع وأشمل (الفضاء العالمي) وذاك ما سوف يشكل ما يسمى بـ الصدمة الحضارية (Civilized shock) للعالم جُله ولغير الدارسين والمطلعين على الحضارات القديمة وللمهتمين بتدوين التراث الوطني، والإبداع الجمعي بكل صنوفه في بلادنا وهذا ما لاحظناه حين صدور موسوعتنا (الجزيرة العربية الهوية، المكان والإنسان).

وبما أننا اليوم في عالم تغلب عليه ثقافة الصورة والذي هو نهج كل القوى الناعمة في العالم كله في عصرنا الحاضر، يجب أن تتوازى هذه النهضة الثقافية والسياحية كحضارة شعب يتنفس -كما جاء شعارها– وجب على كلتا الوزارتين سالفتي الذكر -في هذا المضمار الناهض– بالاهتمام بعلم وعلماء التسويق الإعلامي الدولي على مستوى عالمي، بمقدار موازٍ هذا الجهد الشاق والمبهج، فلم يعد علم التسويق يختص بسلعة لترويجها وإنما أصبح الآن ما يسمى بالتسويق الأممي كإعلام موازٍ لما تقوم به الدول نفسها، وما تبذله من جهد ناهض وجديد ومهم على مستوى العالم أجمع؛ فالعالم أصبح قرية واحدة، لكن التسويق لم يعم كل القرى العالمية بما فيها نحن، فكم من دول سوقت لنفسها وهي لا تستحق فأبهرت العالم وتربعت قواها الناعمة على صدورنا وشكلت ذهنية عنها ربما تكون أقل بكثير، وإنما للتسويق بريقه وللإعلام سطوته وكما يقول المثل الشعبي: (الأذن تعشق قبل العين أحياناً) وهذا ديدن الإعلام العالمي في علوم التسويق. وكيف لا ونحن من دون الدراسات الغربية وليست العربية فحسب، وإحداها مؤسسة (فرنكلين) عن الحضارة الإنسانية بشقيها الأدائي والمادي بقولها لدينا حينما تقول: "بالرغم من جهدنا في هذا البحث الإنساني.. فإن هذه –يقصد الجزيرة العربية- جزء مما ينطبق عليه بحق اسم الشرق الأزلي أو الشرق الموغل في القدم".

كل ذلك يعلمه الدارسون والمنقبون وعلماء الأنتلجستيا، لكن الشارع العالمي يجهل الكثير عنه، ولذا نرجو لهذه النهضة في الثقافة والسياحة الاهتمام بنهضة موازية في علم التسويق العالمي لهذا الجهد الجبار.