ينظر تاريخيًا إلى أن الحداثة العربية عمومًا أفضت إلى الليبرالية، فالحداثة الوجه الثقافي للفكر الليبرالي، وتعود مرجعيتها إلى الحداثة الأوروبية، وإن كانت تتلون بلون المجتمع الخاص، الذي تظهر فيه، وتتكيف مع المعطيات التاريخية.. فإن أي حداثة فكرية لا تنشأ مكتملة في لحظة الميلاد، وإنما تتطور في نطاق تراكمي، وهذا ينطبق على الليبرالية.

فعقلانية ديكارت وليبنتز غير عقلانية هيجل، وتجريبية بيكون غير تجريبية ديفيد هيوم، وليبرالية هويس لوك غير ليبرالية ورسو ومونتسكيو، ما يعني قراءة الليبرالية في الفكر العربي بعيدًا عن فكرة المضاهاة والقياس، فإذا ما نظرنا إلى الليبرالية في الخطاب العربي، فإننا لا نجدها تختلف عنها في نسختها الغربية من حيث التنظير وإن اختلفت من حيث التطبيق.. فإذا ما عرفنا أن الليبرالية الغربية قامت وفق تسلسل مرحلي بدأ من العلمانية ثم الليبرالية وأخيرًا الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى أو تجاوز اللاحقة السابقة، فإن الليبرالية العربية اختزلت المراحل التسلسلية لليبرالية؛ إذ ينادي معظم الليبراليين العرب بضرورة التطبيق الليبرالي الديمقراطي الغربي دون أي تغيير.

وقد سعت الليبرالية العربية إلى استنساخ العقلية الغربية وإحلالها بديلًا عن الواقع، وهو ما نادى به د. طه حسين حين رأى أن الطريق الحضارية واحدة فذة، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، وهذا يعبر عن اختلال في فهم معنى الاستقلال عند د. طه حسين؛ الاستقلالين الثقافي والسياسي معًا.. أو د. زكي نجيب محمود حين يرى أن هذا التراث كله بالنسبة لعصرنا فقد مكانته، فالوصول إلى ثقافة علمية وتقنية وصناعية لن يكون بالرجوع إلى تراث قديم، ومصدره الوحيد هو أن نتجه إلى أوروبا وأميركا نستقي من منابعهما.

وإذا كانت الليبرالية الغربية تقتضي نسبية الحقيقة والموضوعية في النظر والقياس، فلعل إحدى أهم سمات العقل الليبرالي تتلخص في تجريد العقل وحياده وتنزيهه عن الأفكار المسبقة والصور النمطية للأفكار والتصورات، ومنحه الحق في التجريب والقياس والنقد دون تحيز، فالليبرالي الغربي يؤمن بأن مرجعيته هي العقل وحده، سواء أكان العقل غربيًا أو شرقيًا، مع تحيز ظاهر للعقل الغربي انطلاقًا من مركزيته الأوروبية، أما الليبرالي العربي فقد اكتفى بمسايرة هذا العقل والنقل عنه.

ولوجود هذه الفروق الجوهرية بين الليبرالية في بيئتها الأصلية ورجْع صداها في العالم العربي، فقد شكك كثير من الباحثين في وجود ليبرالية عربية حقيقية ذات مشروع تأسيسي بنائي، خصوصًا في الجانبين الفكري والسياسي.. فقد اقتصر الخطاب الليبرالي العربي على التبشير بمدنية وثقافة حديثتين؛ هما مدنية أوروبا وثقافتها، ولأن المنظومة الفكرية الغربية جاهزة وفي حوزتها من المعطيات المعرفية والأجوبة الفكرية قد اكتفت الليبرالية العربية باستعادة تلك المعطيات وإعادة إنتاجها بغير جهد تأصيلي.

ففي الجانب الفكري اكتفت الشخصية الليبرالية بالتماهي مع كل التيارات، وهو ما أكده د. عبدالله العروي عندما قال: (المنظومة الليبرالية لا تعمل بمفردها في العهد الليبرالي، بل توظف لمساعدتها مذاهب أخرى قديمة أو أجنبية)، وهو ما يعده أحد الباحثين تنازلًا ورضوخًا للواقع الممانع لليبرالية فكرًا وممارسة؛ حيث يؤكد عبد الإله بلقزيز على التنازلات الفكرية التي قدمتها الليبرالية.

لا يكاد المتابع لكثير من هذه الأطروحات ذات النزعة الليبرالية أن يجد شيئًا غير كشفها عن عقول تتظاهر بالتحرر والانفتاح الذي لم تفهم منه سوى الخروج عن منطق التوافق المجتمعي ومخالفة السائد.

يقول سلامة موسى: فلنولِّ وجهنا شطر أوروبا.. ونجعل فلسفتنا وفق فلسفتها، ونؤلف عائلاتنا على غرار عائلاتهم.. ويقول د. هشام شرابي: (التراث الذي ينبغي دراسته والحفاظ على إنجازاته هو التراث الذي صنعته الأجيال الثلاثة أو الأربعة الماضية).