هل توقعت بعدما دفُن قريب لك وذهب الجميع إلى منازلهم وأشغالهم أن هذا الشخص ما زال حيّاً وأنه يصرخ الآن: أنا ما زلت حيّاً؟

ربما يظن القارئ أن رواية «ركض الخائفين» للكاتبة الجوهرة الرمال تتناول عالم الأرواح والأشباح، وستنتقل بالرواية إلى قصة من قصص الغموض والتشويق، إلا أن الرواية تنتقل من هذه الفكرة العابرة إلى مناقشة فكرة أعمق عن الحياة والموت. تبدأ الرواية مع البطل الراوي (نجد) التي استلقت على السرير، تتأمل فستان زفافها، لكنها تقع عن السرير في مكان ضيق جدًا، السقف مطبق على رأسها والجدران ضاقت بها، تتحسس ما حولها، تحاول النبش والخروج من هذا النفق المرعب، ولكن يديها ترتطمان بجدران قريبة منها إلى حد الالتصاق. حاولت تحريك قدميها ولكن ما من مساحة تحركهما فيها. حتى الهواء الذي تتنفسه تشعر به يتكرر، وبعد عدة محاولات تكتشف أن ما كان هذا المكان إلا قبرها. لتبدأ "نجد" لحظة الهروب من القبر والعودة إلى منزلها مرة أخرى، تائها مثل القطة الصغيرة، لهما مصيرًا مشتركًا وهو الضياع! وحين تعود لمنزلها تعود كشبح يسكن بغرفتها، كيف ستواجه مصيرها وتتقبل فكرة عودتها للحياة بهذه الصورة. الكاتب الجوهرة الرمال في الرواية اعتمدت في السرد تقنية «تيار الوعي» الذي يعتمد على تداعيات أفكار الراوي الخاصة، والتي تنقل القارئ إلى عوالم مختلفة بل تنقل الرواية معها من الفكرة السطحية العابرة إلى أفكار أكثر عمقًا، كما تناقش فيها الكاتبة مع القارئ فكرة العودة من الموت، وكيف سيكون حاله، وهل سيشعر بقيمة الحياة أكثر؟ وهل سيقيم حياته؟ وهل سيحاول بناء حياة جديدة تعتمد على الاستمتاع بكل لحظة وتجنب أخطاء إهدار الحياة دون وعي؟ وهل نحتاج قليلاً من الموت كي ندرك قيمة الحياة؟

لنستخلص في النهاية «أن الموت هو أسوأ ما في الحياة لكن الحياة بعد المرور بالموت أسوأ».

وأنت تقرأ الرواية تفكّر في حياتك العادية ومراجعة لحياتك القديمة، للمنازل المألوفة، وفي شعور "نجد" المغتربة عن مكانها وزمانها.

منذ أولى صفحاتها تتوحد مع بطلة الرواية، يرافقك الحماس والتشويق والإثار، لا تشعر بالوقت ولا بالملل وأنت تقرؤها.

خالد المخضب