دخل رجل على أحد السلاطين فقال: أعطني البحرين. قال: لا يمكن ذلك. قال: فاجعلني واليًا على البصرة. قال: ما أريد عزل واليها. قال: فأعطني ألفي درهم. قال: ذاك لك. فلما خرج بالمال قيل له: ويحك! أرضيت بعد الأوليين بهذا؟ قال: اسكتوا لولا الأوليان ما أُعطيت هذه!

هذه الطرفة التاريخية استخدم فيها الرجل مبدأ رد الجميل وتحديدًا عنصر من عناصره يسمى التنازل كما ذكر كتاب "التأثير"، فلو أتاك شخص وطلب منك 100 ريال فربما ترفض، ثم إذا طلب منك 20 فربما تلين وتعطيه، فهنا رفضتَ الطلب الأول، وهذا خلق لديك شعورًا بسيطًا بالذنب، فلما أتى الطلب الثاني شعرتَ أن الشخص قد قدم لك نوعًا من التنازل، فتشعر أن كما هو تنازل عن طلبه الأول، فعليك أن تتنازل عن رفضك وتعطيه.

هذه تنطبق على البائعين كذلك، فغير التنازل هناك عنصر آخر اسمه "الرفض ثم الرضوخ"، وهو أن ترفض شيئًا في البداية ثم توافق على الآخر، فيأتيك بائع في شركة ويعرض عليك سيارة أو سلعة ثمينة ويبدأ في شرح مزاياها بحماس وبسرعة في الكلام، فإذا أبيتَ شراءها (الرفض) أتى شعور الذنب، خاصة أن البائع كان متحمسًا متبسمًا، فتشعر - بشكل غير مباشر - بأن عليك تعويضه عن جهده الضائع، فإذا عرض عليك سلعة أخرى أقل ثمنًا زادت احتمالات شرائك لها (الرضوخ)، وهنا لا يستعمل البائع مبدأ التنازل ومبدأ الرفض ثم الرضوخ فقط، بل مبدأ اسمه التباين كذلك، يعني أنك تقارن بين شيئين لاشعوريًا وتختار الأقل سعرًا، فإذا دخلت محلاً عرضوا عليك سلعة غالية، فلا يعجبك سعرها، فيعرضون أرخص فتوافق، ومبدأ التباين هذا تراه في السيناريو السابق أيضًا، فأنت رأيت أن البائع تنازل عن السلعة الأولى التي حاول بيعها، وأن عليك الآن التنازل وشراء الثانية، فلأنها أقل ثمنًا، فإن مبدأ التباين يدخل المعادلة كعامل آخر يدفعك لشرائها؛ لأن عقلك لاشعوريًا يرى أن الثانية أقل سعرًا.

الشركة هي الفائز في كلتا الحالتين، فإذا وافقتَ على شراء السلعة الثانية الأرخص كان ذلك لمصلحته، وإذا وافقت على الأولى الغالية كان ذلك أفضل!