فؤاده صفحة بيضاء ثم تبدأ التجارب بتلوينها «الإنسان جاهل بالذات، عالم بالكسب» يقول ابن خلدون (ما بين الأسود والأبيض وحدة تناقض الأبعدين بينهما ألوان الحياة تتمازج بينها لتخفي نصاعة البياض وتزهو بحدة السواد). وفي عالم الألوان يندرج تحتها مفهومًا محسوسًا يمكن إدراكه بالحواس إلا أنه غير موجود في الواقع، أو أن يكون مفهومًا مجردًا لا يمكن إدراكه بالحواس مثل مفهوم الحب أو الكراهية.

والتذبذب في التفكير والنيات فيما يتعلّق بالنفاق أو الغش أو الخداع. وهذا هو الحال كثيراً مع نفوس البشر وقلوبهم يسدلون عليها عباءات تغطي ما يخفونه أحياناً في نفوسهم خلف

ألوان مختلفة من العباءات وفقاً لتقلّبات والالتواءات إن صحّت عند نهازي الفرص، وتتوارى خلف المجاملات والضحكات قلوب مليئة بالحقد والضغائن ويظهرون ما لا يبطنون.

غالباً ما نصادف في حياتنا المتلوّنون من البشر تزيّوا بزيّ الألوان ونظن بهم حسناً عندما نراهم بعباءة اللون الأبيض وعندما نقترب منهم نكتشف أنهم بلون لا يشبه حتى البياض وقد أسدلوا على تصرفاتهم أحجبة وأغطية ملونة حينما تقتضي مصالحهم الذاتية ذلك وفق تغيّر الأحوال وتبدل المآل لتمرير رغباتهم والحصول على مكاسبهم. فهم يجعلون لكل وقت عباءة ولكل حالة طرقاً أخرى للتكيف معها، فهؤلاء يحسنون المراوغة واللعب على الحبال تحقيقاً لمصالحهم الشخصية ومنافعهم الذاتية.

وكما هناك المتلونون هناك أصحاب القلوب النقية واللون الواحد ولكنهم قله في عصر الرماديات والألوان الكثيرة وقد تطغى عليهم قتامة الألوان والريح الغابرة تلحق بهم بسبب ما يواجهون من تلون بعض البشر في حياتهم ويتفاجؤون به حتى وإن كانوا من أقرب الناس مودة وذا قربى.

فما نفع البياض إذا لوث السواد نصاعته من الباطن وأصبح ذا لون باهت لا يشبه الألوان.

مثل هؤلاء المتلونين موجودون بكثرة في حياتنا ومن حولنا من قريب أو بعيد وجد البعض ليرسم لوحة نقية تسر الناظرين وآخرين وجدوا ليرسموا مخططاتهم وخططهم وفقاً لما يرونه صالحاً لأنفسهم فقط دون أن يروا أن غيرهم نفساً بشرية تتألم وتبهت وتختلف عليها الألوان حتى يصل البعض إلى مرحلة من عمى الألوان وفقد الثقة بالآخرين وتناقض الألوان الظاهرة والباطنة.

......... وحتى لا يطغي لون علي لون فيكون لنا في الألوان حياة.

كما قال محمود سامي البارودي:

لَوْ يعْلَمُ الْمَرْءُ مَا فِي النَّاسِ مِنْ دَخَنٍ

لَبَاتَ مِنْ وُدِّ ذِي الْقُرْبَى عَلَى دَخَلِ

فَلا تَثِقْ بِوَدَادٍ قَبْلَ مَعْرِفَةٍ

فَالْكُحْلُ أَشْبَه فِي الْعَينَينِ بِالْكَحَلِ