يواجه مفهوم الصديق والصداقة عند كثير من الناس حالة من اللبس والخلط في الوعي والممارسة والنتائج. وحين ترصد المشهد الثقافي والإعلامي فستسمع وتشاهد كثيرين في الشعر والنثر العربي وهم يتحسرون على الصديق الذي خان أو باع الصداقة. والواقع أن الصديق الحق قلّما يغير مبادئه ويبدل مواقفه مهما كانت الأزمات. بل إن المحن هي الاختبار الذي يجتازه الأصدقاء وبه يتميزون.

صديقك الحق لا ينتظرك حتى تسقط ومن ثم تجربه هل سيمد يده لك أم لا. قبل هذا سيكون قد نصح وحذّر وأسداك أمانة القول والفعل ليجنبك السقوط. وإذا سقطت فسيأتيك الصديق الحقيقي مع أول الناس لا ليشمت بك أو يكرّر (قلت لك تستاهل) بل ليواسيك ويعينك على استعادة التوازن والنهوض. والصديق الذي هو بهجة الحياة.. لا يسأل عنك الناس في كل مرّة ليتأكد من خلقك ونبلك وكأنه يتمنى أن يسمع عنك ما يشينك.

والصديق الحقيقي هو من يبادرك المشورة حتى قبل أن تسأل لأنه الأقرب والأعرف بخصائصك وظروفك وقدراتك. وهو أيضاً من يقول لك "لا" الحاسمة حين يجاملك الآخرون وأنت سادر في عمل مشين أو سلوك لا يليق بك. والصديق الحق لا ينتظر مناسبة ليتواصل معك، بل يخلق المناسبات ليسمع صوتك ويشاهدك ويطمئن على أحوالك. هذا هو الصديق الذي يستحق أن تعنى له وتسعى إلى عدم التفريط به لأن صديقاً مثل هذا هو الكنز الإنساني والروحي لجودة حياتك وسلامة روحك. ومن هنا نأتي إلى أهميّة حسن اختيار دائرة الأصدقاء وسيكون السؤال الأول هل اخترت هذا الصديق لمصلحة أم مبدأ؟

ليس صديقك ذاك الذي يتربّص من حولك حتى تتعثر لسبب أو لآخر ثم يأتي مع الضاحكين الشامتين. وليس صديقك ذاك الذي تملأ الغيرة والحسد جوانح قلبه وتسيطر على مشاعره ومن خلالها يتصرّف حيالك. هذا الصنف من الناس أضر من فيروسات "كورونا" لأن كلما اقترب منك كثر أذاه. كما لا يمكن أن يكون صديقك ذاك الذي يقبل مع الدنيا إذا أقبلت بالمال والجاه والنفوذ ويدبر معها إذا أدبرت.

وليس صديقك أبداً هذا الذي كلّ سجلّ تعامله معك وكل تاريخ علاقته بك مليء بالإساءات البالغة لك التي يتبعها الاعتذارات البائسة. وحتى تختبر الأصدقاء عليك أولاً أن تختبر ذاتك وعلاقاتك. ومن المهم قبل أن تبدأ هنا أن تسأل نفسك وأي الأصدقاء أنت في عيون أصدقائك؟

  • قال ومضى:

لم تكن يوماً في قائمة أصدقائي، أما قائمة خصومي فكلهم نبلاء؛ وأنت لست منهم.