لقد أصبحت النزعات الثقافية في العالم بعد أحداث سبتمبر وبلا استثناء مجبرة على قبول فكرة الصراع مهما كانت درجة الحذر في ذلك القبول، وأصبحت الاتجاهات في الطرقات السياسية لا تحتمل سوى طريقين إما يميناً أو يساراً..

منتجات الفترة الذهبية العالمية التي بدأت منذ العام 1960م، حققت الكثير من المفاهيم الفكرية بصور متعددة سياسية واقتصادية وثقافية وكل هذه المفاهيم غيرت وجه العالم، وساهمت في تطورات على المستوى الثقافي بدرجة كبيرة، ففي هذه الفترة الذهبية تحقق حلم مارتن لوثر كينغ (1929 – 1968)، إلى أن توج ذلك الحلم لاحقاً بانتخاب رئيس أسود للولايات المتحدة الأميركية وهو الذي ولد في العام 1961م، وأصبح رئيساً لأميركا في العام 2008م ولمدة ثماني سنوات عاش حلم مارتن لوثر كينغ واقعه الفعلي نحو تغيير محتمل للثقافة الأميركية.

في هذه المقالة أطرح أسئلة مهمة عن تلك الانتكاسة التي غيرت وجه العالم وتحديداً العالم الديمقراطي، وتحديداً البحث عن النزعة الثقافية التي غيرت وجه العالم كله، ليست النزعة العنصرية فقط، ولكن النزعة القومية وسقوط العولمة، فقد عادت فكرة العولمة تبحث عن أسئلتها من جديد فلم يتغير الإنسان العالمي كما وعدت فلسفات العولمة، ولم يستطع العالم أن يتبنى ثقافة موحدة تسيطر عليها معايير الاستهلاك البشري لمنتجات الثقافة العالمية.

لقد كان سائداً أن العولمة سوف تغير العالم وسوف تعمل على إنتاج واقع مختلف ومتطور يعقب تلك المرحلة الذهبية التي بدأت في العام 1960م، ولكن بداية القرن الحادي والعشرين كان لها قول مختلف وكانت أولى المفاجآت أحداث سبتمبر الشهيرة، وتحولت تلك القضية إلى فلسفة جعلت من الأديان قيمة عالية المخاطر وأصبح الصراع الأيديولوجي مفهوماً متداولاً في المساحات الفكرية والثقافية في العالم، كل ذلك يحدث بينما كان المبشرون قبل أحداث سبتمبر يتحدثون عن عالم جديد ومفهوم مختلف للثقافات في العالم.

لقد أصبحت النزعات الثقافية في العالم بعد أحداث سبتمبر وبلا استثناء مجبرة على قبول فكرة الصراع مهما كانت درجة الحذر في ذلك القبول، وأصبحت الاتجاهات في الطرقات السياسية لا تحتمل سوى طريقين إما يميناً أو يساراً، بمعنى دقيق اضطرت مجتمعات كثيرة في العالم أن تنقسم وفقاً للأحداث ونتائجها ودرجة تأثيرها على تلك المجتمعات، لقد هتكت أحداث سبتمبر أول جدران العولمة وأهمها والمتمثل في علاقات الأديان والثقافات ببعضها والأمل الذي كان يسود العالم حول التقارب والتفاهم المنشود.

عبر عقدين من الزمن مضت من القرن الحادي والعشرين أبدى العالم ارتباكاً شديداً حول المدخلات الجديدة من تغيرات في المواقع السياسية والاقتصادية والمشكلات والحروب الناشئة، وبدلاً من أن تمارس العولمة مهامها تنامت القوميات في دول كثيرة وعادت تلك القوميات تنشط في وعي المجتمعات لأن القومية لها جذر عميق في كل إنسان كما يؤكد ذلك الكثير من الباحثين، لم يعد هناك من شك أن العقدين الماضيين من القرن الحادي والعشرين أصابا العالم بالكثير من الأزمات المرتبطة بالنزعات الثقافية وهذا ما سوف يؤثر وبشكل كبير على القيم الثقافية التي كانت سائدة في الماضي.

لقد اكتشف العالم أنه يمر بمرحلة تغير جذري عندما تم اختبار العالم من خلال أزمة كورونا التي جلبت العالم إلى منطقة النزعات الثقافية بشكل مخيف، فقد عادت الأزمات ذات العلاقة بالعنصرية والقومية في أكبر دول العالم، وبدأ الحديث عن حرب ثقافية تجر معها التاريخ إلى ميدان الصراع، ففي أميركا انقسم الشعب إلى قسمين؛ قسم ينتظر مارتن لوثر كينغ جديد، وآخر ينتظر أبراهام لينكلون جديد، وقد أثر هذا الانقسام وبشكل كبير على الكثير من المجتمعات وخاصة الأوروبية.

السيناريوهات كلها مفتوحة والأسئلة كلها متاحة حول شكل جديد من النزعات الثقافية تسببت بها الأحداث المتتالية التي حدثت منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وما حدث في أميركا ليس عملية يمكن إدراجها في سياق الأحداث العنصرية المتكررة التي حدثت في أميركا عبر التاريخ، كما أن أحداث كورونا العالمية ليست مجرد وباء يواجهه العالم بذات الطريقة، فقد لاحظ الجميع كيف تم تسييس أزمة كورونا وكيف عادت نظريات المؤامرة إلى واجهة النقاش من جديد.

العالم يتغير بشكل دراماتيكي والعولمة بدأت تتهتك والقوميات المحلية تتصاعد والنظام العالمي يفقد الكثير من سماته التاريخية والمصالح المشتركة بين الدول عالميا تتغير مستوياتها، ولذلك فإن ما يمكن الإيمان به أن النزعات الثقافية في العالم سوف تلد مفهوماً جديداً يمكنه تجاوز النظريات الفكرية التي طرحت منذ ستة عقود، وخاصة فكرة العولمة وانحسار القومية لصالح العولمة، الفرصة الأكبر اليوم تقف أمام أبواب الدول الناشئة والراغبة في تحقيق تطورات حضارية لكي تضع نفسها في عالم ما بعد العولمة وهو عالم قادم لا محالة.