تعد الدرعية إرثاً وطنياً كبيراً بالنسبة لتاريخ المملكة. فمنذ عام 1157هـ (1744م) حين قامت الدولة السعودية الأولى وهذه المدينة تمثل مصدر إشعاع حضاري لكافة مناطق الجزيرة العربية، بل وأبعد من ذلك. واستمرت في هذا الدور حتى اختار الإمام تركي بن عبدالله الرياض مقراً جديداً للحكم وكان ذلك في عام 1240هـ (1824 م).

وانطلاقاً من حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- على الحفاظ على هذه المدينة عالية الرمزية في تاريخنا الوطني تم إطلاق مشروع تطوير الدرعية التاريخية، ذلك المشروع الطموح الذي يحظى بمتابعتهما شخصياً، والذي سيشكل نقلة في تاريخ العناية بهذا المعلم التاريخي المهم. لكنني في هذا المقال سأنظر لرمزية الدرعية من ناحية أخرى، وهي توظيف فترات البطولة التي عاشتها الدرعية ليلة سقوطها وما صاحب ذلك من ألم جماعي في تعزيز الانتماء الوطني لدى شبابنا. فقد وقف أجدادنا بقيادة الإمام المجاهد والشجاع عبدالله بن سعود رحمه الله موقف الأبطال دفاعاً عن مدينتهم أمام القوات العثمانية البربرية الغازية.

إن صفحات البطولة هذه وما صاحبها من ألم يمكن توظيفها بشكل مبتكر في تعزيز الانتماء الوطني. حيث تلعب تجارب التضحية والألم والمعاناة التي تعيشها المجتمعات دوراً اجتماعياً مهماً يعمل بمثابة "الغراء الاجتماعي" الذي يعزز التماسك والتضامن.. يقول عالم النفس الشهير بروك باستيان من جامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا: "تُظهر النتائج التي توصلنا إليها أن الألم يشكل عنصراً قوياً وبشكل خاص في إنتاج الترابط والتعاون بين أولئك الذين يتشاركون التجارب المؤلمة".

ومن هنا فإني أقترح أن تقام، على سبيل المثال، احتفالات تخرج طلبة كلية الملك عبدالعزيز الحربية في الدرعية. وبهذا يرتبط الشاب السعودي بالدرعية ليس فكرياً فقط، بل وواقعياً. مما سيعزز من عقيدته العسكرية ويربطها بأرض هذا الوطن. كما سترتبط بالدرعية (المكان) ورمزيتها الوطنية الأسر السعودية التي ستحضر هذه الاحتفالات. وهناك تجارب دولية قريبة من هذا الشيء. ففي إسرائيل، على سبيل المثال، يوجد جبل مسعدة (מְצָדָה) (مسادا)، المطل على الساحل الغربي للبحر الميت، شرقي منطقة النقب الصحراوية. وقد ارتبط هذا الجبل وقلعته بحادثة تاريخية ذكرها لنا المؤرخ اليهودي يوسف بن متى، جعلت من إسرائيل توظفها وطنياً. فقد احتلت مجموعة السيكاري بقيادة إلعزار بن يائير قلعة مساداً عام 66 للميلاد من الجيش الروماني الذي كان مرابطاً فيها. وكانت مساداً آخر المواقع التي استولت عليها الجيوش الرومانية أثناء قيامها بقمع التمرد اليهودي. وفي 73 للميلاد حاصرها الجيش الروماني لمدة ثلاثة أشهر تقريباً. وقد رفض المتواجدون في القلعة الاستسلام وفضلوا قتل أنفسهم بعد أن نجحت القوات الرومانية في اقتحام القلعة. وقد جعلت هذه القصة التاريخية من قصة مساداً رمزاً وطنياً وأصبح شعار "لن تسقط مساداً ثانية" من أشهر الشعارات الوطنية التي رفعها اليهود. وفي كل عام يقوم بعض أركان الجيش الإسرائيلي بتدريباتهم العسكرية وأداء القسم لخدمة الدولة من على القلعة. كما يزور القلعة الكثير من السياح على مستوى العالم. وتنظم الزيارات الطلابية لها على امتداد العام الدراسي.