وردت في كتاب (فن الكتابة: تعاليم الشعراء الصينيين) فقرة تتحدّث عن سر مهم جدًا من أسرار القُدرة على الاستمرار في الكتابة والإبداع سواء في مجال الشعر أو في غيره من مجالات الإبداع، والحقيقة أن ذلك السر لم يعد يصح أن يوصف بأنه «سر»؛ لكثرة ما شاع في المقالات والمؤلفات وفي أحاديث الأدباء والمثقفين. يقول أحد الشعراء الصينين كاشفًا عن ذلك السر: «سر الكتابة يكمن في الكتابة أكثر والقراءة أكثر. كثير من الكتاب ينتابهم القلق؛ لأنهم لا يكتبون إلا القليل، ذلك لأنهم كسالى في القراءة. في كل مرة يكتبون قصيدة يريدونها أن تكون الأفضل بين القصائد، ولكن من المستحيل تقريبًا أن يحققوا ذلك».

إذن فالكسل عن القراءة هو الخطر الذي يهدِّد المبدع مهما بلغ من الموهبة، ومواصلة القراءة هو السر/ المعلوم الذي لا غِنى للمبدع في أي مجال عن معرفته والحرص على العمل به. وهو سر عرفه شعراء العرب مثلما عرفه شعراء الصين والشعراء في جميع أنحاء العالم، إذ يُروى أن عبد الملك بن مروان أبدى إعجابه بمطلع أبي نواس الشهير:

دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراءُ

وداوني بالتي كانت هي الداءُ

فقال أبو نواس: «يا أمير المؤمنين، لم أقدِر أن أقول ذلك حتى حفظتُ سبعين قصيدة أول كل قصيدة منها (دع عنك). فقال هارون الرشيد: صدق من قال: إن الشعر من الشعر».

يعرف كثير من الشعراء منذ مرحلة مبكرة أن مواصلة القراءة والاطلاع على الجديد سر من أسرار القدرة على مواصلة الكتابة والإبداع، كما يدركون أن القراءة عملية محفّزة تتيح معرفة قيمة الإنتاج بمقارنته بإنتاج المبدعين الآخرين، لكن اهتمامهم بالقراءة يتراجع تدريجيًا مع مرور الزمن ومع تزايد المشاغل. وعبارة هارون الرشيد الجميلة: «إن الشعر من الشعر» تؤكد على مصداقية كلام أبي نواس بأن عملية الإبداع تتطلب مزيدًا من القراءة والحفظ، وتتضمن إضافة إلى ذلك دعوة لكل شاعر تقول: «دع عنك الكسل» وابدأ بالقراءة والاطلاع على إنتاج الشعراء المبدعين بدلًا من الدفاع عن إنتاجك الرديء بغباء، أو تبرير تراجع مستوى قصائدك بمبررات غير مقنعة.

أخيرًا يقول فيصل العطاوي:

أنا مهما سترتك داخل أشعاري

ترى حبك بعيني ما هو بمستور

عشان أسلا متى ما جابك الطاري

أروح أقرا عن الجنة ووصف الحور

تدور الأرض يومك أجمل أقداري

ولكن من تفارقنا معاد تدور!