تعد «المكتبات» أبرز المعالم الرئيسة المعبرة عن ثقافة الأوطان والشعوب، وأهم مصادر نهم الدارسين والباحثين في حقول المعرفة وجمع المعلومات والبيانات، والجامعات التي لا تشيخ كما يقال، وطوال تاريخها مرت بعديد من المتغيرات تأرجحت معها بين الازدهار والإهمال والاندثار.

خلال الأيام الماضية أطلق سمو وزير الثقافة بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود مبادرة لتطوير المكتبات؛ لتصبح مركز إشعاع ثقافي شمولي. وحول هذه المبادرة استطلعت «الرياض» آراء عدد من المتخصصين والمهتمين.

بداية يؤكد الأستاذ الدكتور منصور بن حسن الزامل المشرف العام على عمادة شؤون المكتبات في جامعة الملك سعود، أن المبادرة تختلف عن المبادرات السابقة التي قامت بها الجهات المشرفة على المكتبات العامة آنذاك، حيث تميزت بجملة من المزايا أهمها: إخراج المكتبات العامة من إطارها التقليدي والمعتمد على التركيز على توفير مصادر وخدمات تقليدية بعيدة عن حاجات المستفيدين الحقيقية إلى توفير مصادر متنوعة في محتواها وفي طبيعتها، إضافة إلى استهداف فئات مختلفة من أفراد المجتمع، كما تسعى المبادرة إلى جعل المكتبات العامة منبرًا ومنارة ومركزًا ثقافيًا شاملاً لتوفير فعاليات تلبي أذواق وتوجهات مختلف الفئات الاجتماعية.

فيما أشار المتخصص في شؤون المكتبات والمعلومات الأستاذ صديق نجار إلى أن إطلاق هذه المبادرة سيكون نقلة نوعية للمكتبات العامة في نشر الثقافة من خلال الاهتمام بالبنى التحتية للمكتبات واستحداث نظام متكامل لإدارة المكتبات، إضافة إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة سواءً التقليدية من خلال تطويرها بما يتواكب مع العصر الحديث أو من خلال الخدمات الحديثة في البيئة الرقمية والاستفادة من قنوات التواصل الاجتماعي في تسويق الخدمات وغيرها من الأساليب التي تسهم في الارتقاء بخدمات المكتبات، مضيفا أن المبادرة ستسهم في توفير بيئة مناسبة للعاملين، وتعمل على تطويرهم بالدورات التخصصية، وتوفير الوسائل التقنية الحديثة التي تساعدهم على تقديم خدمات متكاملة، وأشار إلى أن المكتبات تعمل على دراسة المجتمع لمحاولة معرفة الاحتياجات الحالية والمستقبلية من خلال البيئة التي تحيط بالمكتبة؛ سعيا لتقديم خدمات تلبي رغبات المجتمع، وتسهم في تقليص الفجوة بين المكتبة والجمهور، منوها إلى أن المكتبات العامة لم تعد مكانًا لحفظ الكتب، ولكن أصبحت مكانًا لتقديم الدورات والأنشطة الثقافية والاجتماعية والترفيهية وغيرها سواءً داخل المكتبة أو خارجها.

فيما وصف مدير المركز الثقافي في جازان عبدالله بن سالم الفيفي المبادرة بأنها استمرار للخطوات المتلاحقة والمهمة لسمو وزير الثقافة لإحداث نقلة نوعية لمكونات الثقافة في المجتمع السعودي، مشيدا بما حوته من خطوط عريضة لتطوير المكتبات، وهو ما يبشر بمستقبل مشرق للمكتبات عندما تحتضن كل المبدعين بمختلف تخصصاتهم، وتعمل على تعزيز مفهوم البيوت الثقافية التي تجعل من المكتبات العامة منارات إشعاع ثقافي، إضافة إلى إتاحة الفرصة أمام كل أطياف المجتمع للمشاركة والتعلم والتفاعل مع البرامج والأنشطة الثقافية.

بدوره تحدث أستاذ المعلومات والمعرفة المشرف على عمادة شؤون المكتبات في جامعة جازان الدكتور عيسى قحل عن المبادرة قائلاً: التحول نحو المجتمع المعرفي من أهم الأهداف العريضة التي صاغت رؤية المملكة 2030 برامجها وخططها من أجل تحقيقها، وتتضافر جهود المؤسسات والهيئات الحكومية والأهلية للإسهام معًا لجعل ذلك واقعًا ملموسًا، وسينعكس هذا التحول مباشرة على ثقافة المجتمع، ويمس الوعي الجمعي، ويتعاطى بصورة أو بأخرى مع تشكيله.

وأضاف: تأتي هذه الخطوة متسقة ومفهوم النظرة الجديدة التي أطلقها وزير الثقافة الأمير بدر بن فرحان رئيس مجلس إدارة هيئة المكتبات كمبادرة لتطوير المكتبات العامة وتعزيز مفهوم البيوت الثقافية، لافتًا إلى أنها تأتي كنتيجة لدراسة ميدانية أجرتها هيئة المكتبات للواقع الذي ينظم المكتبات في المملكة، وسيتم الشروع في تنفيذها وفق خطة عمل لمرحلة يمتد إطارها الزمني حتى 2030 وتستهدف إنشاء 1350 مكتبة عامة في جميع المناطق، تتضمن مرحلتها الأولى اكتمال 13 مكتبة منها بنهاية 2022م وتسعى هذه المبادرة إلى إعادة توجيه جهد المكتبات للقيام بدورها التفاعلي بجودة عالية من خلال وضع أطر وخطط وسياسات ثقافية جديدة حديثة، تهدف إلى جعل المكتبات العامة منصات شاملة للمعرفة وملتقى للإبداع الأدبي والفني والابتكار والنهوض بالمستوى الثقافي ورفع الوعي المعرفي للمجتمع وتوجيهه للاستفادة والمساهمة في مختلف المجالات والروافد الثقافية الفاعلة والمؤثرة كالسينما والمسرح والموسيقى والفنون ونشاط الطفل وخدمات المكتبات.

من جانبه، أشاد مدير المكتبة العامة في أبها عبدالله علي آل عقران بالمبادرة، وأشار إلى أنها تسعى لإيجاد بيئة جاذبة لكل شرائح المجتمع وبناء علاقة مع المكتبات التي تقوم بدور حيوي ومهم تحفظ من خلاله علوم وحضارات القرون الماضية والحالية، وهي مرجع خصب لكل الباحثين والدارسين ومحبي القراءة والاطلاع، فعندما تنشأ الأجيال بعلاقة وثيقة مع المكتبات تتكون لديهم ثقافة تراكمية عالية وقراءات مختلفة، ستنعكس حتمًا على سلوكيات المجتمع وتساهم في رقيه، كما أن هذا التطوير سيرتقي بالبرامج الثقافية والفكرية.

فيما يبيّن الدكتور منصور بن علي المباركي المهتم بعلوم اللغة والأدب أثر العلم والقراءة، مؤكدًا أن قيمة العقل تكمن في ازدهاره واستنارته بالعلم، وإلا صار عبئًا على صاحبه وعلى الآخرين، وأشار إلى أن العزوف عن القراءة وعدم اقتناء الكتب والغياب عن متابعة الجديد في الفنون كارثة على هذا الجيل وكارثة على العصر، مشيرًا إلى عدد من الظواهر السلبية مثل طريقة تخلص الطلاب من الكتب بعد انتهاء فترة الاختبارات، والقطيعة المجتمعية مع المكتبات، وغيرها، مؤكدًا ضرورة إعادة بناء العلاقة بين أبناء هذا الجيل مع المكتبات، وأهمية بناء النماذج والقدوات في هذا الجانب، مطالبا بتفعيل أدوار الجهات الرسمية كوزارة التعليم والإعلام في الحث على القراءة الحرة وإنشاء وتشجيع مسابقات في البحث والقراءة والتأليف، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لدعم هذا الجانب المهم، وختم الدكتور المباركي حديثه بالقول: نتمنى أن نرى جيلًا غاية أمنياته اقتناء كتاب وأسمى أهدافه التأليف والنشر.

صديق نجار
عبدالله آل عقران
د. عيسى قحل