وهو القرار الصائب أيضاً، والقرار الحكيم، والقرار الذي تؤيده الشريعة الإسلامية التي جعلت حفظ النفوس في مقدمة مقاصدها الكلية، وتؤيده الشريعة الإسلامية التي أمرت بأن يكون البيت الحرام والمشاعر المقدسة آمنة مطمئنة، وتؤيده الشريعة الإسلامية التي جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها.

كان هذا جزءًا من تعليق لي على القرار الذي اتخذته حكومة المملكة العربية السعودية بأن يكون حج هذا العام 1441هـ بعدد محدود من داخل المملكة ومن مختلف الجنسيات.

وقد شاركت في عدد من المقابلات المتلفزة والإذاعية، وأجبت عن عدد من الأسئلة، انتخب منها عددًا في هذا المقال:

1- تعليق مختصر على هذا القرار.

هو قرار موفق حكيم رعى حرمة البيت الحرام، ورعى حرمة فريضة الحج، ورعى حرمة أرواح الحجاج.

2- على ماذا بني هذا القرار؟

بني على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومقاصد وقواعد في الشريعة الإسلامية، ومصالح مطلوبة عقلاً ونقلاً. فقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم بأن يكون البيت الحرام آمنًا مطهرًا وفي ضمن هذا الأمر: اتخاذ الأسباب لمنع انتشار الأمراض والأسقام خاصة الأوبئة التي تفتك بالأرواح في أثناء التجمعات. كما جاءت الأحاديث الصحيحة بوجوب الاحتراز من الأوبئة وأن تبذل كل الأسباب التي تؤدي إلى منعها أو التقليل من تفشيها، والشريعة دلت على وجوب دفع الضرر قبل وقوعه، ورفعه أو التخفيف منه بعد وقوعه، لا سيما ما يتعلق بالنفوس، إذ من مقاصدها الكلية حفظ النفوس البشرية.

كل هذا الأدلة والدلالات الشرعية كانت سندًا ومتنًا لهذا القرار الحكيم مع استحضار ما قرره أهل الاختصاص من أن التجمعات تعتبر السبب الرئيس في انتقال العدوى في ظل ما يشهده العالم من جائحة كورونا.

3- ماذا يحقق هذا القرار؟

يحقق مصلحتين رئيستين: الأولى/ إقامة شعيرة الحج من خلال هذا العدد المحدود. والثانية/ المحافظة على النفوس البشرية. فهو قرار -كما ترى- جاء بتحقيق المصالح ودرء المفاسد.

4- قلت في أثناء حديثك: إن هذا القرار يُوثّق في سجل المملكة الحافل بعنايتها بالحرمين الشريفين وقاصديهما، كيف ذلك؟

نعم، المملكة مَنَّ الله تعالى عليها برعايتها للحرمين الشريفين، فاضطلعتْ بهذه المسؤولية بكل عزم وقوة، مستعينة بالله ومتوكلة عليه، مرخصة في سبيل خدمة الحجاج والمعتمرين والزوار كلَّ غالٍ ونفيس. والدولة بالقيادة الحكيمة من خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -أيدهما الله- تحرص غاية الحرص على سلامة الحجاج والمعتمرين وأمنهم وطمأنينتهم وراحتهم حتى يرجعوا إلى بلادهم وقد سعدوا بأداء النسك وإتمام الفريضة.

في هذا العام يمرُّ بالعالم ظرف استثنائي، وهو ما يشهده من هذه الجائحة جائحة كورونا، وكعادتها حكومة المملكة كانت على قدم وساق في سبيل ضمان الظروف الصحية الملائمة لأداء الحج في سلامة وأمان. ولذلك درست موضوع الحج بكل تأنٍ وروية، ولم تشأ الاستعجال في اتخاذ القرار مؤملة ارتفاع الوباء، حتى وصلنا إلى الأيام التي يجب فيها اتخاذ هذا القرار، فكان أن اتخذ وأعلن وحظي بتأييد واسع من الدول الإسلامية والمجالس الإفتائية والمنظمات الصحية، وكون هذا القرار يضاف إلى سجل المملكة الحافل في رعاية الحرمين الشريفين وفي رعايتها لهذه الفريضة، لأنه قدم حرمتها بإقامتها وعدم تعطيلها، وقدم حرمة البيت الحرام والمشاعر المقدسة حتى لا تكون بؤرة لزيادة تفشي هذا الوباء، وقدم حرمة أرواح الحجاج وسلامتهم.

5-حظي قرار المملكة بدعم إسلامي كبير، ما دلالات هذه المواقف الداعمة؟

ليس ذلك غريبًا، فقرارات المملكة ليس في موضوع الحج فقط بل وفي غير ذلك من الشؤون تتسم بسمتين، وينتج عنهما نتيجة. أما السمتان فهما:

أ- تتسم بالمنطق. ب- وتؤيدها المصلحة. والنتيجة: يتفق عليها العقلاء.

إذا رجعنا إلى الحج والقرار الذي اتخذ، فإنني أقول: إن أي عاقل يدعمه ويؤيده فمصلحته ظاهرة بينة، ولذلك فور صدوره حمدته الدول الإسلامية، وحمده العلماء، وحمده المسلمون، وحمده العالم كله.

وأسجل هنا كلمة: بأن هذا القرار ستكون له -بإذن الله- ثمرته الطيبة لأنه قام على تعظيم حرمات الله، فعظّم حرمة الفريضة، وعظّم حرمة المشاعر المقدسة، وعظّم حرمة أرواح الحجاج، وقد قال الله تعالى في سورة الحج: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه).