إن القذافي الهالك بفعله ومحاولاته الدنيئة في إشاعة الفوضى لا تقل بشاعة عن الأفكار المالتوسية؛ أما من كان يتردد على خيمة القذافي من المرتزقة والمنتفعين والإرهابيين فهم لا يعدون أن يكونوا خيوط «الماريونت»..

التآمر مستمر..بل إنه يتسارع إلى ذروته..هكذا يقرر المفكر العربي الراحل مصطفى محمود في أحد تحذيراته وكأنه يستبطن ويسبر ويستغور أعماق المشهد العربي الملتهب الذي تحيط به نيران الخيانات والتآمرات من كل حدب وصوب. ويتساءل في حيرة مشوبة بمرارة موجعة: ألم تأتِ اللحظة التي نعيد فيها حساباتنا.. وننظر إلى ما يجري حولنا ببصيرة أكثر عمقاً؟ إن الأحداث لا تتحرّك فرادى.. ولا تسير منفصلة وإن بدت في الظاهر منفصلة..!

ولكن يبدو أننا لا نقرأ التاريخ ولا نعتبر؛ نتسامح بأكثر مما يجب، وقد ترتّب على هذا التسامح عدم اتقاننا المحاورة مع هذا العصر اللئيم بلغته الماكرة ومصطلحاته الذكية التي كانت تستوجب أن نكون أكثر صرامة حتى نتجنّب وجع الخيانات والتآمرات التي لم تراعِ أي قيمة أخلاقية أو إنسانية.

نعم التآمر – وكما تشي معطيات الواقع ومشاهداته – آخِذٌ في التكاثر بشكل مثير للقلق ومشاعر الخذلان والخيبة؛ فإن يتآمر عليك البعيد النائي فهو أمر قد تجد الكثير من مسوغاته من أطماع همينة وحوز طاقة وغيرها؛ أما أن يأتي السلوك المشين الخالي من أي مروءة ومراعاة لقيم وأعراف وجوار ودين وأواصر أخوّة ومصاهرة؟ هو أمر يبعث على استدعاء كل مشاعر الاشمئزاز والانخذال والخيبة في أبشع مضامينها.

خيمة القذافي: هذا المكان الدالّ، وذلك الفضاء الذي يأخذ طابعاً دلالياً ورمزيّاً يشكّل أحد تمظهرات إنتاج المعنى؛ إنتاج دلالة أحد مظاهرها أنها كانت رمزاً لإنتاج التآمر وصناعة الخيانة وتصدير العنف والإرهاب والبذاءات بشتى صنوفها؛ فالخيمة التي كانت مظهراً بدوياً لأصالة البدوي العربي وصدق تعامله ونقاء سريرته باتت هنا دالاًّ على القُبح والدمامة الأخلاقية والبشاعة السلوكية. هذا الفضاء الذي شهد التزاوج والانصهار والمماهاة بين الخونة بطريقة براغماتية ومكيافيلية بشعة؛ القذافي من جانب وقيادات ومرتزقة الإخوان من جهة؛ هؤلاء الذين لا يتورعون عن مصافحة حتى الشيطان لتحقيق مآربهم الدنيئة دون اعتبار لقيمة أو أخلاق أو دين؛ وهم لا يختلفون عن أشد وأنكى الأعداء ممن لا تنقضي أطماعهم وتآمراتهم على بلاد العرب عموماً؛ والتاريخ ذاكرة أمينة مشرّعة لكل راغب في القراءة والتعلُّم والاستفادة من الدروس؛ فأحلام السيطرة على العالم العربي ما زالت مثيرة للأطماع؛ وتفكيك النظام الإقليمي العربي وطمس هويته وإعادة تشكيله وفقاً لأديولوجيات حزبية وفئوية ودعم الأصوليات الدينية باستخدام المطيّة الإخوانية التي تحمل تاريخاً وإرثاً باذخاً ومقززاً من الخيانات والتآمرات الرخيصة وفق المصلحة والأهداف المتبادلة.

التسجيلات التي تم تسريبها لعدد من لاعقي الأحذية المتآمرين باتت حديث العالم؛ وقد وضح من خلالها مدى ضآلة وتقزّم هؤلاء الإرهابيين الذين تآمروا ضد دولهم وجيرانهم بكل خساسة وانعدام مروءة؛ تآمر يرقى بل يتجاوز الخيانة العظمى؛ إذ لا يكاد المرء يستوعب مدى تهافت نفوس وعقول المتآمرين الذين يبيعون ضمائرهم ويتخلّون بكل صفاة وتبجّح عن أوطانهم ولا يرقبون في مواطنيهم وأشقائهم إلاً ولا ذمّة؛ ولا يكترثون بإشاعة الفوضى والقتل والتدمير لملايين البشر مقابل مكاسب حقيرة لا تسمن من كرامة ولا تغني من إنسانية. أي هوان هذا الذي يجعلك تتجرّد من كل قيمة أخلاقية وتتآمر ضد بلدك؟ أي اعتساف للنصوص القرآنية والأحاديث الشريفة وتوظيفها لخدمة أهوائكم وتبرير فسادكم وانحلال أخلاقكم وتهافت فكركم واضمحلال عقولكم؟

إن القذافي الهالك بفعله ومحاولاته الدنيئة في إشاعة الفوضى لا تقل بشاعة عن الأفكار المالتوسية؛ نسبة إلى توماس روبرت مالتوس؛ وهو باحث اقتصادي بريطاني شهير قدّم نظرية تتعلّق بالسكّان وخطورة ازديادهم والمشكلات التي قد تنجم عن قلة الغذاء؛ وفكرته أن عدد السكان يزيد بمتوالية هندسية بينما إنتاج الغذاء يزيد بمتوالية حسابية وهذا يعني أنه عند مرحلة زمنية معينة مستقبلية سوف يكون الغذاء أقل من حاجة السكان ونتائج ذلك ستكون كارثية على العالم ورأى أن الحل يكمن في التخلص من الفقراء وليس مهماً بقاء الفقراء أحياء وطلب العمل على زيادة عدد الوفيات وتشجيع الفوضى والدمار في سبيل التخلص منهم. أما من كان يتردد على خيمة القذافي من المرتزقة والمنتفعين والإرهابيين فهم لا يعدون أن يكونوا خيوط "الماريونت"؛ وهي الدُّمى التي يتم تحريكها بواسطة الخيوط في المسرح السياسي العبثي الذي أخرجه بصفاقة وعته الهالك القذافي.

التسريبات واقع مخجل وعار لمن ظهرت أصواتهم وتآمرهم عبرها؛ والأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت ولا أحد يدري أي مفاجأة تنتظر المتابع والمراقب لمسرح تشهد خشباته أشد الوقائع درامية وعبثية.