إن القرار بتقنين الحج، وتقليل عدد الحجاج ومنع حجاج الدول الأخرى من الحج هذا العام لم يكن خياراً، بل هو من باب فعل أخف الضررين، وحماية لأرواح المسلمين، ومحافظة على أن تبقى المشاعر مطهرة للطائفين والعاكفين والركع السجود..

نصوص الحج وفرضيته لا نزاع فيهما عند أهل الإسلام، كما اتفق على أن الحج مرة في العمر، وأنه لا يجب إلا مع الاستطاعة. واختلف العلماء في الاستطاعة، ويرى بعضهم أنها الزاد والراحلة.. ومعلوم أن الحج فريضة تؤدى جماعة، وله مواقيت محددة، وزمان محدد، ومكان محدد، وشعائر معلومة.

وحج البيت أمنية قلوب ملايين من هذه الأمة، ورغبة تجيش في صدور كثيرين، ينفقون لأجله مدخرات عمرهم، ويتمنى بعضهم طوال حياته الوصول إلى البيت الحرام، ويمضي عمره وهو ينتظر دوره ليحج، أو ليعتمر.

إذا اتفقنا على ما سبق، فإن فريضة الحج ربانية، لا يمكن النقاش فيها ولا يملك عالم ولا حاكم أن يلغيها أو ينفيها.. وهذا جزء من الحقيقة، أو لنقل نصفها، لكن ذكر نصف الحقيقة وإخفاء النصف الآخر كذب وافتراء؛ لأن من يذكر لك الحقيقة ناقصة إنما يريد توجيه القول إلى ما ذكر، وما تبناه، وقد يكون الحق كل الحق فيما أخفاه.. والمخفي في قضية الحج، أو ما يراد تشويهه هو النصف الثاني والمهم جداً لفهم قضيتنا التي نريد الحديث عنها.

إذ إن فريضة الحج ربانية، ولكن إدارتها بشرية، مخولة للحاكم، وممنوحة له الصلاحيات الكاملة في إدارتها، وليست المسألة حديثة العهد بل هي منذ فرض الحج، بل وقبله، وقد وزعت في الجاهلية رعاية الحجيج بين القبائل كالرفادة والسقاية، وغيرهما.. وفي زماننا هذا جمعت رعاية البيت وإدارة الحج، ورعاية الحجيج إلى ولاة أمر المملكة، ولقب مليكها بخادم الحرمين الشريفين.. وكانت ومازالت تولي البيت الحرام ومسجد رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم اهتماماً منقطع النظير، ورعاية يبصرها كل ذي عينين، ويشكرها كل منصف، وينعم بأثرها كل مجاور، أو معتمر، أو زائر.

ولست بصدد الحديث عن المنجزات، ولا المشروعات، والخدمات، فليس المقام مقام ذلك، وإنما أريد تبيين ما يحرص المبغضون لولاة أمر هذه البلاد - أيدهم الله - أن يجيشوه في صدور العامة من المسلمين، وقد وجدوا بغيتهم هذا العام، حيث اجتاحت العالم، العالم كله هذه الجائحة المرضية، التي أوقفت سير الحياة، وعطلتها.. فينعقون يلومون القيادة الحكيمة الرشيدة لتقنينها عدد الحجاج في هذا العام، وتنبه إلى أن القضية ليست اختياراً، بل هي مرغمة، وكل العالم حتى في عالم المجانين يدركون أن الحياة هي أغلى ما في الخلق، وأن الحرص على استمرارها، ودفع ما يضرها واجب ديني، وعقلي، ومنطقي.. والكل يدرك ويعلم يقيناً أن هذا المرض ليس مقتصراً ولا منحصراً في هذه البلاد وحدها، بل هو قد اجتاح العالم بأسره، وصنف في منظمة الصحة العالمية بالجائحة.

وأن من أهم مخاطر هذا المرض سرعة انتشاره، وأن المصاب به مهدد بالموت، وأن الكل معرض للإصابة، لهذا كان هناك من الإجراءات والاحترازات ما عاشه العالم بأسره، وعانينا منه في الأشهر الماضية، وأجبرنا على التباعد، حتى في الصلوات المفروضة. ومما يعرفه القاصي والداني أن أطباء كانوا في الصفوف الأولى لمواجهة هذا المرض قد قضوا بسببه.. فكيف يسوغ لعاقل أن يوجه إصبع الاتهام لقادة هذه البلاد بأنهم يريدون تعطيل الحج، أو يسعون لمنع الناس عن الوصول إلى بيت الله الحرام، ويتعامى عن النظر إلى ما يثبت عكس مقولته ويرفع رايتهم بيضاء في كل محفل أنهم بذلوا فوق ما يمكن، وذللوا الصعاب، وأناخوا الركاب، وأمن الناس في البيتين، سنين عدداً، لا يخشون إلا الله والذئب على غنمهم.

ما اتخذته القيادة الرشيدة للمملكة تؤيده العقول الراشدة، المدركة لمغزى الشريعة ومقصودها، وليس الحج بأفضل من الصلاة، وقد قننت لأشهر وأغلقت المساجد، بل ومنع الطواف، وحجرت الروضة الشريفة، اتقاء للمرض، المرض المشاهد آثاره، المنعي قتلاه، المحجور مصابه. ولا يتعامى عن أثره وخطره إلا أعمى بصيرة، أو فاقد عقله، أو من امتلأ قلبه حقداً وبغضاً لهذا البلد وقادته، فيتغطى بدثار الحرص على الدين، ويوهم أن الدين يأمر الناس بإلقاء أنفسهم إلى الخطر بحجة التوكل واليقين.

هذا المرض ليس اختراعاً ولا افتراء من قادة المملكة، وليس خاصاً بأرضها، فكيف يحجبون الحق الظاهر لينالوا من قيادة أعجزتهم بحكمتها، وحنكتها، وحسن رعايتها.. وهم يدركون قبل غيرهم أن الحج لا بد فيه من اجتماع، وهذا الاجتماع خطير لو كان بين الحجيج مصاب واحد، أو اثنان، ولو لا قدر الله أصيب الحجاج بالجائحة لوقع اللوم على القادة أيضاً، فإنهم سيلومونهم إن حج الناس أو لم يحجوا، ولم يتوقف اللوم في أي حال فيما مضى، ولن يتوقف اليوم ولا غداً، لأن المراد ليس النصح ولا الإصلاح، بل يراد التشويه والتخوين لبلاد الحرمين الشريفين، حسداً من عند أنفسهم. إن الغبي من يظن أن تعريض حياة ضيوف الرحمن للخطر حتم لكي يرضى عن المملكة أناس لا قيمة لهم ولا وزن. ولو أصيب الناس لتبرؤوا منها، ولحملوها الوزر، وشنعوا بالإهمال، والتقاعس.. وهم يعلمون أيضاً قبل غيرهم أن الحج ليس مثل غيره من التجمعات، فيوهمون الناس أن الدولة تأذن بالسينما والفعاليات وتمنع الحج، وهذا وأيم الله إفك مبين.

فالحجاج في الغالب ممن تقطعت قلوبهم للوصول إلى البيت، وكانوا فيما مضى من السنين يتجاوزون الثلاثة ملايين حاج، كثير منهم ممن سقطت عنه الفريضة لأنه طاعن في السن، أو مريض، وبعضهم يحمل حملاً، وهذا معلوم أنه في الزحام لو التقط العدوى فالموت أقرب إليه من الحياة.. وأن الحجاج يكثر فيهم العوام، ويضطر الناس فيه إلى الزحام، فلا سبيل لحماية الأنفس إلا بما صدر من حسن القرار، وصائب الرأي حيث حوفظ على أن تقام الشعيرة، ولا يخلو البيت ولا المناسك من عمارها، والأمن ولله الحمد مستتب، والخدمات متهيئة ومعدة، لكن الخطر الذي يواجه الحجيج لا يد للدولة ولا لغيرها فيه، مع تحملها اللوم كله فيما لو تعرضت حياتهم للخطر.

وقد أدرك الخطر دول فأصدرت من جهتها منع الحجاج من السفر إلى الديار المقدسة، فلم نسمع لهؤلاء المنتقدين قرار الحج الرشيد وصماً بالعداء للدين، ومنع المسلمين من أداء فريضة الله، ووجهت سهامهم إلى صدر هذه البلاد الطاهرة، وقادتها، وإيهام الناس أن المنع يأتي مع الرغبة للصد عن سبيل الله والمسجد الحرام!

إن القرار بتقنين الحج، وتقليل عدد الحجاج ومنع حجاج الدول الأخرى من الحج هذا العام لم يكن خياراً، بل هو من باب فعل أخف الضررين، وحماية لأرواح المسلمين، ومحافظة على أن تبقى المشاعر مطهرة للطائفين والعاكفين والركع السجود. هذا، والله من وراء القصد.