بداية الثمانينات المنصرمة، نشر عالم المستقبليات الشهير ألفين توفلر (1928-2016م) أطروحاته حول الاتحاد السوفييتي، وتنبأ عن انهياره لعدة أسباب أهمها أن المنظومة السياسية في موسكو تفتقد آلية التعامل مع تغيَرات المستقبل، وبعد إنهيار المنظومة الاشتراكية ارتفعت شعبية توفلر ليس بين الأميركان فحسب وإنما في العالم كله. لم يكتف توفلر بنشر تنبؤاته حول مستقبل النظام الشمولي فقط، وإنما امتدت أفكاره التنبؤية لتشمل انهيار وتفكك الولايات المتحدة أيضاً، ولكن هذه الآراء لم تحظ بشيء من الاهتمام حينها، كون واشنطن قد شرعت تتعملق بصورة أحادية لتؤسس مرحلة تاريخية جديدة عرفت بـعالم القطب الواحد، ولهذا بدأت الأنظار العلمية والبحثية تتجه نحو نظريات اجتماعية جديدة كنظرية نهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما، ونظرية صراع الحضارات لصموئيل هنتنغتون.

في هذه الأيام، وعقب مقتل المواطن الأميركي جورج فلويد، عادت أطروحة توفلر التنبؤية إلى صدارة المشهد الثقافي الأميركي، فعالم المستقبليات الشهير قد تحدث مبكراً عن اندلاع ثورة الأفارقة السود، وتمردهم على النظام الأميركي كون إشكاليتهم لم تجد لها الحلول الناجعة خلال تعاقب إدارات البيت الأبيض، كما تنبأ توفلر بانفصال بعض الولايات الغنية عن أميركا الأم بسبب تباين الرؤية حول توزيع الثروة، وهذا ما يتردد صداه في الإعلام الأميركي خلال السنوات الماضية حول ولايات كاليفورنيا وتكساس وفيرمونتا وألاسكا.

تأتي أهمية توفلر العلمية كونه أحد أعظم علماء ومطوري علم المستقبليات FUTUROLOGY، وهو فن بناء افتراضات مستقبلية بناءً على دراسات علمية، وحسابات دقيقة تعرف بعناصر المخاطرة، وقد تتلمذ على يديه نخبة من أشهر السياسيين في العالم مثل ميخائيل غورباتشوف والرئيس الهندي زين العابدين أبوالكلام، والزعيم الصيني تشاو جيانغ وغيرهم، وقد اعتبرته بعض مراكز الأبحاث ثالث أهم شخصية في تاريخ الإدارة الواقعية بعد بيل جيتس وبيتر دراكر، كما أنه متزوج من أستاذة جامعية في علم المستقبليات (هاري توفلر) والتي شاركته في تصنيف بعض كتبه وأبحاثه.

تعد نظرية الموجة الثالثة أشهر أطروحات توفلر، وتعني أن التاريخ الإنساني مر بثلاث موجات اجتماعية، الأولى هي استثمار الإنسان للأرض عبر امتهانة الزراعة، والثانية تتعلق بعالم التصنيع والآلة، بينما الموجة الثالثة تتعلق بالانفجار المعلوماتي الذي نشهده في عالم اليوم، ومن قراءة وتحليل هذه الموجة نستطيع التنبؤ وقراءة أحداث المستقبل.

وأخيراً، كثير من علماء الاجتماع الأميركان يعارضون أفكار وتنبؤات توفلر كون الولايات المتحدة بعيدة عن تهديدات التفكك والإنهيار، فهي لا تزال تترسخ على منهجية المؤسسات المستقلة والنظام الديمقراطي الفريد، ولديها أدوات متطورة للتعامل مع تغيرات المستقبل، بينما مؤيدو توفلر قد شرعوا فعلاً بدق نواقيس الخطر، ويبرهنون على صحة تنبؤات توفلر بحدوث تحذيراته السابقة بنفس سياقاتها مثل تأجج الصراع المجتمعي الأميركي عبر ثورة الأفارقة، ومحاولة انفصال بعض الولايات الثرية، ويطالبون بضرورة إيجاد الحلول الناجعة لإشكالية العنصرية، والثروة بدلاً من الاستنكاف النخبوي، وعدم استشعار مخاطر الموجة الثالثة.