الفقه الإسلامي به من المرونة والسلاسة، ما يجعله متواكبًا مع الظروف والمتغيرات كافة، مهما كانت صعوبتها، ولا أدلّ على ذلك من وجود فقه يسمى فقه النوازل، ومن ثم فتاوى النوازل، والأمران يطلق عليهما فقه الضرورة.

إن التحديات التي واجهها العالم بأثره، غيرت كثيرًا من أنماط الحياة، وبالطبع انسحب ذلك على بلادنا، التي تستضيف كل عام أكبر تظاهرة إنسانية يعرفها التاريخ، وهي الحج، فهذا التجمع البشري لا يحدث في أي مكان، ومع تلك الظروف الراهنة، كان القرار الصعب من المملكة، التي تعاملت مع الأزمة التي تضرب العالم بفكر مستنير، غلّبت فيه السلامة الإنسانية على أداء الفريضة، فكان فقه الضرورة.

وكان من حكمة صانع القرار في المملكة عدم غلق الباب مطلقًا، بل جعل المتاح منه لاستضافة أعداد من حجاج الداخل، مع تحقيق أعلى معايير السلامة والأمن، التي شدد عليها الإسلام في دعوته لحفظ الأرواح، وتغليبها على كل المصالح مهما عظم شأنها.

وأزعم أن فلسفة القرار الحكيم باستضافة عدد محدود من حجاج الداخل، تكمن في تمثيل دول العالم من خلال عدد الحجاج الموجودين على أرض المملكة، وأظن أن دول العالم ستكون ممثلة في حج هذا العام رغم محدودية من يؤدون الفريضة العظيمة.

إن فقه الضرورة رغم ما يحمله من صعوبة نفسية على قلوب وأرواح المسلمين في شتى بقاع الأرض، إلا أنه نال تقديرًا عالميًا، خاصة من الدول الإسلامية الكبرى، وبعدها منظمة الصحة العالمية، التي رأت في هذا القرار سماحة ومرونة الإسلام، الذي غلّب حفظ الأرواح على أداء أعظم المشاعر الإسلامية قاطبة.. إنه فقه الضرورة..