مع جائحة كورونا وانقطاع الناس عن الأعمال، واختلاف ردة الفعل ما بين مبتهج ابتهاجه بحجم السماء وما دون ذلك، وما بين هلع الغير بعودة محتملة لهذا الوباء - ربطت هذا الحدث بموقف مر بي قبل أشهر؛ حيث كنت في عيادة طبية، وتبادلت الحديث مع الطبيبة، وكانت تعمل في القطاع الحكومي مدة طويلة، فاشتد غليان مشاعرها، وسبقت عواطفها كلماتها لتعبر عن الملل الوظيفي، الذي اجتاح مسيرتها فكساها برودًا وانكماشًا.

كلنا يؤمن بأن تسرب الملل وإعلان الحصار في أي مجال من مجالات الحياة هو إنذار بانهيار وهدم لذلك الميدان أو النطاق. فظهور تلك السحابة السوداء في حياتنا المهنية إنذار بكارثة تدفع الشخص لأداء العمل فقط تضييعًا للوقت مع غياب الحماس والشغف والرضا، الذي يدفع بالملل للخارج ويجعله ضيفًا غير مرحب به.

الملل الوظيفي مؤشر خطير لاستمرارية الموظف من عدمه، هو ليس ذلك الملل الذي يكون كالفقاعة تضرب في مكان معين ثم تختفي، بمعنى آخر ليس معنى ذلك أن يمل الإنسان من يومه، أو يسعى لتضييع وقته في وسائل التواصل الاجتماعي أو الأصدقاء، فهذا بلا شك لفتة غير جيدة عن إنتاجية الموظف، ولكن لا ينطبق عليه الملل الوظيفي، بل هو أكبر من ذلك. فمن أعراض الملل الوظيفي الافتقار إلى الحماس، والتوتر الشديد بمجرد التفكير في الدوام والاكتئاب من العمل، فتنقطع جميع المفرحات والمسرات في المكان، ويصبح المكان بعين الموظف أرضًا قاحلة لا روح فيها. الملل الوظيفي بمعناه الوجيز هو أن تمل من وظيفتك وترغب في تغييرها.

في الحقيقة، عندما يصل المرء إلى هذه النقطة المفصلية في حياته يجب عليه البحث والتنقيب عن الأسباب، فقد تكون أسبابًا متعلقة بالمناخ العام للمنظمة: من تمييز غير عادل بين الموظفين، وثقافة المنظمة المبنية على التسلط وانعدام التقدير، وتقليص مكافآت وعلاوات في أحيان أخرى، أو عندما يجد الشخص نفسه أن الوظيفة لم تزده معرفة إضافية، وأن جميع الأعمال الموكلة إليه ما هي إلا أعمال روتينية مملة؛ هنا قد يكون حان التغيير، فاستفت قلبك.

إن وصول الإنسان إلى هذه المرحلة المسدودة في حياته قد يكون له تأثير مغاير؛ لأنه مما لا شك فيه أن الملل كالحاجز المنيع للتطور الوظيفي، فيشلّ المرء عن اكتساب خبرات جديدة، ويصبح هذا الحاجز عائقًا ضد الطموح وزيادة المعرفة. فعندما يجد المرء نفسه في هذه البؤرة عليه أن يعالج الوضع من جانبين: الأول محاولة إيجاد وتبني أشياء إيجابية، وإصلاح عطل ذلك العالم الوظيفي، وبذل الجهد في ذلك، فإن لم يصلح لك هذا ولا ذاك، ولم تجد العلاج الذي تملك قيمته، فلا تقتل نفسك وإبداعك وطاقاتك وتقسو عليها في تلك البيئة، بل يجب عليك التغيير والتجديد وخلق التحدي والشغف في وظيفة جديدة، مع دراسة أبعاد هذا الأمر بحنكة وروية مع مشاورة أهل الخبرة والحكمة. فالتغيير يضفي عبيرًا راقيًا وعطرًا منعشًا حال استنشاقه، وصدق ابن الوردي بقوله:

فبمكث الماء يبقى آسنا وسرى البدر به البدر اكتمل