لم أصدق أن أخي، الرجل القوي الطموح بكل جبروته وحضوره الطاغي، لم يعد موجوداً في هذه الدنيا.. هناك شيء داخلي يرفض هذه الحقيقة وينكرها بشدة، حتى وأنا أكتب هذه الكلمات بعد مرور عدة أيام على وفاته..

عندما تتعثر الكلمات وتصبح ثقيلة، وتصر على ألا تخرج وكأنها في سجن أبدي. عندما يصبح الرثاء أصعب من حكاية الحياة التي تعرف تفاصيلها وتريد أن ترويها مباشرة لأنها حاضرة في ذهنك ومع ذلك تترنح الحكاية وتختل أحداثها فيتلعثم اللسان وتضيق البصيرة، فلا تستطيع أن ترى شيئاً. الفقد له ألم حارق لا تشعر به كلحظة مروعة فقط، بل يشكل لك ألماً دائماً كلما اختليت بنفسك. لحظات الخلوة هذه تعصر القلب؛ لأنها تستعيد صورة من تحب ومن فقدت، فتجعلك تقفز من مكانك من الألم. تقول في نفسك: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، تتسلى بالصبر وتذكر نفسك بإرادة الله والاستسلام لقضائه وقدره، لكن تظل تشعر، مع ذلك، أن هناك قبضة حديدية تعتصر قلبك وتجعله ضيقاً حرجاً كأنه يتصعد في السماء، فتضيق عليك الدنيا بما رحبت وكأنك تمشي في سجن يتحرك معك. إنه ألم يحررنا من تبعيتنا للأشياء التي نعطيها قيمة مزيفة في حياتنا بينما نحن نعلم يقيناً أننا سنغادر كل شيء في النهاية دون أن يكون معنا شيء. إنه ألم يجعلنا نرى بحدة قيمة الأشياء الحقيقية ونفرز أصيلها عن خبيثها.

عندما عرفت بوفاة أخي صالح، الأكبر مني ببضع سنوات، والذي شاركت معه حكاية الطفولة والصبا وتقاسمنا غرفتنا الصغيرة في بيتنا الطيني في حي النعاثل في مدينة الهفوف، شعرت ببرودة في أطرافي، ليس لأني شعرت بفاجعة فقد الأخ والسند والصديق، بل لأني شعرت بعظم المصاب لفقد رجل عظيم عرف بخبرته الواسعة في مجاله المالي والقانوني فهو محاسب قانوني فذ، وربما تقاطع معه كثير من القراء، كما أنه رجل مسارع للخيرات يندر أن يتنصل من عمل الخير مهما كان. شعرت بألم الفقد الذي سيشعر به الكثير قبل أن أكون له الأخ والصديق. عندما يرحل عن دنيانا رجل بمكانة وقيمة أخي صالح يكون الألم صادماً ومبعثراً للذهن. لم أستطع أن أجمع نفسي من الذهول وهو يرتسم أمامي بابتسامته التي لا تفارق وجهه، فأرتد إلى نفسي وأقول لابد أنها "مزحة" أو ربما هذا ما تمنيت في تلك اللحظة.

مر بي شريط الحياة ومرت أمامي تلك الأحلام الصغيرة التي تقاسمناها في الصغر في تلك الغرفة العلوية التي تطل على فناء منزلنا مباشرة، ثم مر الشريط بسرعة لأرى كيف بقيت تلك الأحلام الصغيرة في مكانها وأخذتنا الدنيا إلى عالمين مختلفين حتى أصبح كل منا عالماً بحد ذاته. إنها الدنيا التي لا نتذكر أنها تسحبنا إلى أهوائها ومطباتها إلا عند لحظات الموت. إنها لا تطبطب علينا عندما تريد أن تنبهنا بل تصدمنا في وجوهنا وتصيبنا بالذهول وتدفعنا إلى خارج العقل. لم أصدق أنني لن أرى ذلك الرجل الذي عشت معه أكثر من خمسين عاماً، لم أصدق أن أخي، الرجل القوي الطموح بكل جبروته وحضوره الطاغي لم يعد موجوداً في هذه الدنيا. هناك شيء داخلي يرفض هذه الحقيقة وينكرها بشدة، حتى وأنا أكتب هذه الكلمات بعد مرور عدة أيام على وفاته. حالة الإنكار التي تنتابني بين فترة وأخرى تسجل أقصى درجات الضعف التي يمر بها الإنسان في حياته.

رحمك الله يا أبا عبدالله، فقد كنت معلماً ومدرسة مهنية في حياتك وحتى عند وفاتك أبيت إلا أن تترك هذه الحياة دون أن تذكر كل من أحبوك أن هذه الدنيا أقصر من أن يستردوا أنفاسهم فيها. إنها دار عبور لا دار استقرار، وإن كل أحلامنا فيها أقصر من أن نتوقف عندها. عزائي أن من أحبوك، وهم كثر من كل مكان في بلادنا الغالية، كانوا يعزون أنفسهم فيك، فقد كنت بمثابة الأخ للجميع. كما أن عزائي أنك لم تغادر الدنيا إلا بعد أن رأيت أبناءك وقد أصبحوا رجالاً يحملون العلم بيد وحب الناس لهم باليد الأخرى.