يختلط مفهوماً اليوميات والمذكرات عند كثير من النقاد؛ فلا تذكر اليوميات إلا وترتبط المذكرات بها؛ ولعل صدورهما عن علاقة ذاتية يترجمها الكاتب في قالب سيري أمر يدعو إلى ذلك التشابه؛ فكلاهما جنس محايث للسيرة الذاتية, مكوّن لنواة من نواتها, لكن اختلافاً بينهما يؤطره الزمن, ويغلفه التخييلي, والواقعي ينبغي التنبه إليه؛ فاليوميات في الاصطلاح الأدبي «هي سجل قد يكون يومياً للأنشطة الشخصية, ومشاعر الكاتب, وانطباعاته, وتأملاته في الحياة؛ والأصل فيه ألا يكون للنشر, ولكن كثيراً ما ينشر المؤلف يومياته, خاصة إذا اشتملت على آراء, أو وصف أحداث قد تهم الناس».

وأما المذكرات فقد ألمع نقاد السرد إلى أنها «سيرة ذاتية في الغالب, تنقل تجارب الماضي المعيشة إلى الناشئة, وتعتمد نظرة توليفية للأحداث, تسمح بإعادة ترتيب الوقائع بما يوافق رغبة الكاتب؛ وعلى عكس اليوميات, لا تتطلع المذكرات إلى سبر الذات, ولا تقصر اهتمامها على الأنا الخاصة, بل تصرف اهتمامها غالباً نحو القيم المعنوية, أو الأدبية, وقد انفتحت المذكرات منذ القرن الثامن عشر على عالم التخيل, بعدما استعار الروائيون شكلها الفني لكتابة قصصهم, فأصبحت ترادف القصة الذاتية».

واليوميات والمذكرات جنسان أدبيان يتداخل فيهما المرجعي, والتخييلي, بوصفه عاملاً مشتركاً, همه الأول الاسترجاع, ثم التخييل, ثم التقييد؛ وتستند الكتابة وفق هذا المنظور إلى وسيلتين زمنيتين هما: الماضي, والحاضر, كما يلمح في هذين الجنسين الأدبيين صلتهما الذاتية بالأنا والآخر, والمتكلم والمخاطب, والمشاهدات والافتراضات, والتأريخ والتوثيق؛ لذلك فإن التداخل بينهما يفضي إلى تداخل آخر مع السيرة؛ وبخاصة الذاتية؛ حتى خلط بينهما بعض نقاد السيرة عندما وسعهما وعرفهما بـ «حكي استعادي نثري, يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص, وذلك عندما يركز على حياته الفردية, وعلى تاريخ شخصيته».

إن تشابهاً كبيراً بين تلك الأجناس والأشكال يؤكد ضرورة تفاعل الأجناس وتشابكها، وأن لا معنى في واقع التاريخ الأدبي لصفاء الجنس ونقائه, أو ترسيم معالمه وحدوده, لا سيما في العالم الروائي الذي يمكن أن نرى فيها روايات على النسق اليومياتي, أو المذكراتي؛ لهذا فليس التداخل بين تلك الأجناس مقصوراً على السيرة؛ بل يوجد تداخل آخر لليوميات والمذكرات مع أدب الرحلة, الذي يعتمد على تدوين المشاهدات والملحوظات بأسلوب قصصي مشوق, يرسم الأحداث ويفصلها, وتنساق في أثره الانطباعات العامة والخاصة, والحديث عن النفس أحياناً.

وترتبط الرسائل أيضاً باليوميات والمذكرات ارتباطاً وثيقاً, يكشف عن حلقة أخرى من حلقات التداخل والتفاعل, غير أن الرسائل ربما كانت حاضناً لتلك الأشكال, فربما كان ارتباط الرسائل باليوميات والمذكرات ذا أثر فاعل؛ لما للرسائل من قيمة سردية كبيرة, يمكن أن تلقي الضوء على تجربة الأديب أكثر من أي مصدر سير ذاتي آخر.