ترهقني هذه اللغة.. تنثرني كهواء فقّاعة في فضاءٍ صائف.. فآخذها بين حين وحين لمواسم الخيال وإرادة الشاعر، وما أحب أن تعينني عليه ذاكرتي.. لهذا وقفت اليوم عند هذه الراء التي توسّطت الــ «حب» فأخرجته من جنون العناق لفنون الفراق، ومن جنة اللقاء لطقوس العزاء.. هكذا أخذته من جغرافيا الحياة لتاريخ الموت.. ومن سرير الوجود.. لرماد الوقود..

أقول ما الذي تخفيه وراءها هذه الراء لتفعل كل هذا.. ثم أستعين بذاكرتي على ما أريد.. فأجد أن كثيرًا من أفعالنا الرائيّة استعلائية أو تملّكية أو حتى عدائية.. هكذا مثلاً كما تداهنني ذاكرتي: (ردَع/ رفس/ ركب/ رجم/ راوغ/ رابى/ رجع/ رمى ).. أعلم أن هناك أفعالًا أخرى قد لا تحمل هذه الرؤيا كما أشاء، لكنني بالفعل مهووس بما فعلته هذه الراء في الحب.. كيف خلّفت لنا صورة الإنسان الذي استأنس في الحياة كل شيء ثم نسي نفسه، كيف كتبت هذه الراء تواريخ الأمم السابقة بالدماء، بل كيف جعلت من انتصاراتنا قتلاً ومن هزائمنا قتلاً.. يالـ هذه الراء.. هكذا استطاعت أن تدحر السلام على الأرض، كل هذه التواريخ التي تبدأ بما قبل...، وتنتهي بكورونا...

إنها أسئلة الشعر للشعر.. حينما يلتمس في اللغة بعض ما يفسّر له وجوده دون أن يستهدف البحث أو يتوخّى الاستقصاء، لكنه يحاول تأويله، ويؤول محاولته معًا.. لهذا لا تخرج لغته من فضاءاتها المتسعة اعتباطًا حتى إن لم يبلغها إجابةً، كما أن اللغة ذاتها إن لم تسهم مع الشعر في حضورها بمناورة خيالاته، واستلهام هلاماته، وتحمُّل مؤونة ما يرويه عنها، فإنها بذلك ستفتقد هذا «الحب» الذي يربطه بها، وتترك لرائها عبثها الوجودي المتكرر..!

فاصلة:

لا شيء أخفيه..يا سادتي

لستُ إلا الغريب الذي يحفظ الصبرَ عنوانُه

وتفتّشُ عنه المدينةُ في غيبةِ النبلاء الكثيرينَ فيها

فتلقاه ضحكتها المستحيلة..

زور الشوارعِ

أسماءَ من غادروا دورهم واستقاموا على الدرب

لكنَّ مأواهم الذاريات عشاءً..

وسقياهم الصيفُ بئس المصير

لا شيءَ لا شيء.. كان بصندوق أيامه

ساعةً للجريدةِ

طاولةً للكلامِ

وصومعةً للقصيدةِ

أحجيةً للسريرْ..!

فوق مرآته امرأةٌ من ضباب الزجاجِ

وبين ذراعيه سيدةٌ من حصادِ الصلاةِ

وفي قلبهِ وردةٌ قلّمتْ شوكها

وانثنتْ كالملاكِ الصغيرْ..!