«الحوارات مع المفكرين والمبدعين تكشف طبقة التغيرات التي انتابت علاقة الإبداع بالواقع الحضاري الذي تصدر عنه، ولعل من هذه الحوارات الكشف عن المتغيرات التي يشهدها العالم من خلال الوعي الدائم بعملية التفاعل بين الكاتب واستراتيجية الإبداع لديه».

(ميم - جيم)


الكتابة بأنواعها لها مبدعوها على درجات متفاوتة، ولكل منهم متلقوه، شريطة أن يكون الكاتب قد طرح عملًا يثبت أنه مما يستحق أن يقرأ لكون ما يستحق أن يقرأ؛ يعني أنه جدير بأن تُرجى من خلاله الإفادة والاستفادة، وفي تنوع الكتابات الدليل على سعة رقعتها وشموليتها لمناشط الحياة كافة، ولذلك نوع الكثير من كتابه وباحثيه، ويختلف تقبلهم وتلقيهم حسبما يقدمونه، ففي مجال الأدب وفروعه يبرز منهم من يستحق أن يُتابَع ويقْتَدى به؛ لأنّ عطاءاته كوّنت مساحتها التي احتلتها في عقول/قلوب المتلقين؛ ما دفع إلى متابعتهم وانتظار عطاءاتهم وما يستجد منها، فاشتهر على مر الزمن أدباء من أصحاب الأنواع المختلفة فيه.

المبدعون في مكانتهم هذه يُفْرَضُون بشكل غير مباشر؛ لكون هذا الفَرض يتأتى من المتلقي الذي يتابعهم، وبالتالي يريد أن يعرف عنهم ثقافيًا وحياتيًا خاصة عند من يهتم بالمتابعة ويرى أنه بحاجة للتعرف على مبدعه عن قرب أكثر من نتاجه الذي تعرف عليه من خلاله وهام به وأصبح متابعًا له، فكانت طريقة الحوارات التي انتهجها بعض المهتمين بالمتابعة للتقريب بين الكتاَّب والقارئين، على اعتبار أن الحوار يكشف بوضوح آراء وأفكار المبدع الذي يجرى معه الحوار، ليس ما قدمه في إبداعه من روايات مثلاً التي قرأها المتلقي، ولكن ما وراء الروايات وما خلفية وأسس الركائز التي تقدم صورة الروائي من خلال المكاشفة، كون هذه تمثل إضافة إلى ما عرفه القاري سابقًا من روايات كاتبه، كما أنها تُعَرِفُ من لم يقرأ الروايات بماهية وقدرات هذا الكاتب الذي قد تجذبه إلى عالمه، فيكون قارئًا جديدًا ينضم إلى سابقيه، وقد كونت الحوارات مفاتيح شرعت أبوابًا كثيرة أمام متلقين كثر، فسادت اللقاءات الأدبية وصار لها فنها ولها مختصون يجيدون طرح الأسئلة، ويرسمون المحاور التي تمكِّن من إعطاء الصور المجسمة الحقيقية لمن يُحاورونه، مما أضاف منهم شهرة لمبدعين في الرواية، وثبت لي ذلك من عدة كتب في اللقاءات والحوارات الأدبية التي كانت بين محرر وكاتب، أو هي لقاءات في فن أدبي معين جمعت أدباء مختلفين في حوارات عن فن الرواية مثلاً كما هو في كتاب (حوارات لقرن جديد/الأدب بين التخييل الذاتي والتخييل التاريخي).

في هذا الكتاب الذي اشتمل على حوارات مهمة كانت قد أجرت مع ثمانية من كتاب الرواية المشهورين في العالم منهم من نال أكبر الجوائز العالمية، وقد ترجمها وأعدها في كتاب الباحث والأديب المغربي (محمد الجرطي) واللقاءات مع: أورهان باموق- أمين معلوف– غابريل غارسيا ماركيز- جيروم فيراري- أمبرتو إيكو- داي سيجي– أحمدو كوروما– ماريو فارغاس يوسا، وأشار الجرطي في تقديمه للكتاب إلى أن «كل هذه القضايا والإشكاليات المعرفية والإبداعية التي يحملها الكتاب تجعلنا نفكر أن الكاتب الملتزم بقضايا الإنسانية لا يمكنه أن ينفصل عن القضايا الاجتماعية المحيطة به»، وقد كتب المترجم مقدمة عن كل كاتب من الكتاب الثمانية؛ حيث تكون الكتاب من ثمانية فصول، كل فصل يجمع بين أربعة أو ثلاثة إلى اثنين من الحوارات التي تميزت بالعمق والتقصي لكينونة الكاتب المبدعة، فهي تمثل اسْتخبارًا واستبارًا، ما جسد تعريفًا بكل كاتب أشبه بما يكون بالسيرة، وفي هذا ما يجعل هذا التوجه في الكتابة الحوارية موازيًا لما هو سائد في هذا الزمن ما يحْمِلهُ العمل الإبدعي السردي كالسيرة الذاتية، والرواية والقصة؛ لأنه - أي الحوار - يستطيع أن يدخل إلى ساحات الثقافة المتعددة عمومًا.

لا يمكن أن أمر على كل الحوارات الثمانية، ولكن سيكون قطف بعض زهرات من بستان هذه اللقاءات الممتعة والمفيدة لعلها تعطي ولو أضمومة للمتلقي يهديها لذاته أو لمن يرى أنه يستحق في مشاركة ثقافية لا تنفصل عن الوجدانية، ففي سؤال من مجلة الحياة إلى أمين معلوف:

-تم انتخابكم لتشغل مقعد كلود ليفي ستروس الذي ستوجه له خطاب ثناء وتقريظ؟

*إنه كاتب أكن له تقديرًا واحترامًا عميقين، قرأت أعماله خلال دراستي في علم الاجتماع، ومنذ بضعة شهور وأنا مستغرق ثانية في قراءة أعماله بسعادة كبيرة، أشعر بنفسي قريبًا جدًا من رؤيته للعالم.. ستروس يصر على ضرورة احترام جميع الحضارات..».

في الحوار مع أمبرتوإيكو: ما الدافع إلى إعادة نشر رواية - اسم الوردة- في نسخة منقحة بعد ثلاثين سنة على صدور النسخة الفرنسية وبعد 32 سنة بعد الإيطالية التي حققت مبيعات قياسية؟

*ليست طبعة منقحة هذا اختلاق من الناشر، لكن في الواقع شعرت بانزعاج بسبب أسطورة ظهرت في فرنسا مؤخرًا، تزعم أني أعيد كتابة رواية - اسم الوردة - من أجل أشخاص عديمي الكفاءة، أعتقد أن هذا أمر سخيف، فقد يحدث فقط بكل بساطة أن كاتبًا ما وهو يقرأ من جديد رواية كتبها منذ زمن بعيد أن يشعر بالحاجة إلى إحداث بعض التغييرات، والحالة هذه لم تعد -اسم الوردة- هي الرواية عينها التي كتبتها منذ زمن، بسبب الترجمات العديدة التي تمت لها، اكتشفت العديد من الأخطاء التي قمت بتصحيحها من طبعة لأخرى، وبالتالي (نصيحتي للقراء هي كالتالي: لا تشتروا هذه الرواية إنها لا تضيف جديدا).

وبما يشبه القطفة التي تكمل الأضمومة يكون السؤال الموجه إلى الكاتب الصيني -داي سيجي-:

-من الكتاب الفرنسيون الذين تشعر بقربك من أساليبهم؟!

*هناك العديد من الكتاب الفرنسيين الذين أحببت أسلوبهم وأعجبت بأعمالهم خصوصًا، بروست، سيلين، وألآن روب غرييه، ودانيل بيناك؛ لحسه الفكاهي، لقد أخضع الأدب حياتي لإيقاع محدد، لا أستحضر الذكريات إلاّ من خلال الكتب، تتميز كل مرحلة من حياتي بطابع الروايات التي قرأتها، والتي تركت أثرها في حياتي.

الحوارات الأدبية تعطي التعريف الكامل بالأديب، ولكن شريطة أن يكون المحاور على دراية وإلمام كامل أو شبه كامل بالموضوع الذي يريد أن يتطرق إليه مع ضيفه، وذلك بعملية التحضير وصياغة الأسئلة الرئيسة التي سيوجهها، وهي الأسئلة التي لا بد أنها مفضية إلى تفرعات تتأتى في سياق الحديث وتنبت من الإجابات، وحيث أبحث في الآن أو أسترجع الماضي في المبدعين حواريًا أي المحاورين في مجالات الثقافة العرب، يبز في الحالي عبدو وازن، في جريدة «الحياة» وفي الماضي فاروق البقيلي،»في مجلتي الأسبوع العربي/الديار» ومنير العكش قبل التحول إلى الكتابات المستقلة في كتابه «أسئلة الشعر»، وجهاد فاضل، في «جريدة الرياض ومجلة الحوادث» وجمانا حداد، خاصة كتابها «في صحبة لصوص النار»، وغيرهم ممن لا يتسع المقام لذكر أسمائهم ومَنْ نَدَّ عن الذاكرة ولكن أعمالهم كانت مشهودة، فمن المؤكد والجدير بأن هناك من يقتنيها محتفظًا بها لكونها من الروائع الجديرة بالبقاء ممثلة لحرفة الأسئلة، وحرقة الأسئلة