أكدنا قي مقال سابق على محبة التفكير وقيمته وحذّرنا في الوقت نفسه من الفكر الزائف الذي يظهر للناس وتتأثر به وتنجذب إليه. وفي هذا السياق يميّز الفلاسفة بين الفيلسوف الحقيقي وبين فيلسوف الزور أو فيلسوف البهرج. وهذا التمييز ضروري ليعرف الإنسان المحب للتفكير كيف يوجّه نفسه في عملية التفكير وكيف يمارسه. وفي هذا السياق لا بد أن نميز بين الفلسفة والتفلسف. ولأن التمييز دقيق وعميق فإن الأمر يحتاج توضيحاً أولياً ينطلق من قراءة للواقع الفكري، وما يحدث فيه لنعرف من خلاله مدى صحة ما يوجد من جهة، ومدى صدق الاتجاه الفكري الذي يحكم الطبقة المثقفة ويوجهها من جهة أخرى.

يعرف الجميع أن العديد من المثقفين اليوم صاروا يحملون ميولاً إيجابية إلى الفكر الفلسفي رغم غيابه واقعياً عن مدارج التعلّم الأكاديمي، وهو ميل يعكس حب المثقفين الجدد للعلوم الفلسفية وحرصهم على الاطلاع عليها اطلاعاً عصامياً جميلاً نرى نتائجه في حلقات التفكير ومجالس الفلسفة التي صارت تملأ عديد المناطق، كما نرى أثره في المحاضرات والندوات التي تقام هنا وهناك حيث يجتمع محبو الفلسفة ويتبادلون الفكرة والرأي. والأهم من كل هذا يتمثّل فيما نلاحظه اليوم من حب للكتاب الفلسفي وطباعته وانتشاره، وهو حُب ساعد القراء الجدد على الاطلاع على تاريخ الفلسفة ومذاهبها ومدارسها ومصطلحاتها ومسائلها. وبقطع النظر عن مدى صحة فهم ما يقرؤون ويطالعون من كتب الفلسفة ومؤرخيها -لأن كل طالب للفلسفة من كتبها دون تعلمها هو إلى سوء الفهم أقرب- أرى من الضروري الوقوف عند معضلة مهمّة جداً انتهى إليه الواقع الثقافي اليوم يمكن أن أسميها بمعضلة الفكر. وأعني بمعضلة الفكر الحالة التي آل إليها الفكر الجديد الذي يمارسه المثقفون الجدد الذين يحملون شغف الفلسفة ومطالعتها والتعرّف عليها دون تعلّمها وأخذها من مكانها كما نأخذ أيّ علم من العلوم الأخرى. فشرّعوا بهذه الممارسة ودون وعي منهم إلى إمكان أخذ العلم والتخصص فيه داخل جدران المكتبات، ومنحوا أنفسهم اسم الفيلسوف توصيفاً وتمييزاً. وبالتالي صار بالإمكان في مجتمعاتنا أن نسمع في يوم قريب من يُسمّي نفسه بالرياضي والمهندس والطبيب والجراح والفيزيائي.. وغيره لمّا يرى نفسه قد اطلع على عدد لا بأس به من كتب الرياضيات والهندسة والطب والجراحة والفيزياء وغيرها، وتصير المكتبات هي المانحة للشهادات العلمية من دون حاجة لمدرسة أو معلّم. والغريب في الأمر أننا نجد بعض مثقفينا الجدد (الفلاسفة الجدد) يسمحون لأنفسهم الخوض في مسائل الفلسفة ومناهجها ومدارسها، ولكن لا نجدهم يسمحون لأنفسهم الخوض في مسائل الرياضيات والطب والفيزياء وغيرها، وكأنهم بذلك يرون أن طلب الفلسفة أمر متاح للجميع ما دام هناك حب لها، واطلاع على مؤلفات الفلسفة ومدارسها.

لا شك أن المطالعة وحبّ الكتاب خصلة إيجابية لا مثيل لها. ولا شك أن حديثي ليس تشكيكاً في قيمة المطالعة فهذا لا يقوله عاقل. إن حديثي يعالج معضلة خطرة تتمثل في جعل المطالعة باب علم وتخصّص يعوّض المدرسة والمعلّم. ولبيان خطورة هذا الأمر واقعياً يكفي أن نسمع ما يدور من محاورات بين هؤلاء الفلاسفة الجدد المتخرجين من المكتبات، ودور المطالعة الذين جعلوا من مذاهب الفلاسفة ومدارسهم ومناهجهم تعبيراً عن الفلسفة نفسها. لا شك أن قصدهم الأولي قصد حسن لأنهم طلاب علم دفعهم حبهم للفلسفة إلى طلبها، والتعرّف عليها للمساهمة في تطوير الفكر والمجتمع. ولكنهم وقعوا في نتيجة مغايرة لهدفهم ومناقضة له. أرادوا الخروج من فكر نقلي يحكم الواقع ويوجهه، فوقعوا في فكر نقلي جديد جعلهم يردّدون ما يقول ديكارت وهيوم وكانط وهيجل وديلوز وداريدا وسارتر وغيرهم كثير.. وكأنهم بهذا الترديد يثبتون للآخرين أنهم صاروا فلاسفة يحملون فكراً جديداً مغايراً يساهمون به في تطوير الفكر عندهم. بينما هم في الحقيقة خرجوا من نقل يعكس مجتمعهم ليستبدلوه بنقل جديد يعكس فكر مجتمعات أخرى. إن استبدال فكر بفكر، ونقل بنقل عملية عقيمة تزيد الفكر تخبّطاً وضياعاً ويزيد المجتمع تشتتاً وتمزقاً. ويتعمق رفض المجتمع للفلسفة والفلاسفة لما يرونه من جنون في الثقافة الجديدة والمثقفين الجدد. أن تعرف ما يقول هيجل وماركس وأفلاطون وديكارت وسارتر وغيرهم لا يعني أنك فهمتهم، وحديثك عنهم لا يعني أنك صرت فيلسوفاً مثلهم أو حتى عارفا لهم. هذه هي معضلة الفكر الذي نحياه في أغلب مجتمعاتنا الجديدة وبأشكال متعددة. نعني بمعضلة الفكر إذن أن يعلن مجتمع ما إيقاف عقله عن التفكير والاكتفاء بالتعرف على أفكار الآخرين قدامى ومحدَثين وترديدها توهما منهم أنهم بذلك يجدّدون الفكر بينما هم يعوّضون نقلا بنقل، ويعمّقون الأزمة أكثر، ويجعلون عملية إصلاح الفكر أكثر صعوبة.

إن معضلة الفكر تعني غياب التفكير والاكتفاء باستيراد الأفكار من وراء البحار، كما نستورد أيّ بضاعة نستهلكها. وإذا كان استهلاك بضاعة الآخرين أمراً مذموماً لأنه يمنع عنا إنتاج بضاعتنا واستهلاكها فإن استهلاك فكر الآخرين يجعلنا أمة معاقة تفكّر بعقل غيرها ولا تستطيع سياسة أمرها إلا باستيراد البضاعة الفكرية التي أنتجها الآخرون. وإذا رمنا اليقظة فعلاً فإن أول خطوة يجب أن نخطوها تتمثل في تجاوز معضلة الفكر. وهذا لا يكون إلا لمّا تكون لدينا الشجاعة الكافية لنفكر بأنفسنا، ونحدث النقلة النوعية من عالم الفكر إلى عالم التفكير. وهذا لا يكون إلا بصناعة مناهج تعليمية جديدة ورؤية مغايرة للمدرسة والمعلّم أي للتعليم بشكل عام حتى يجد المثقف في المدرسة فضاء مناسباً لأخذ العلم من مكانه الشرعي، وحتى تكون المكتبة بعد ذلك رفيق عمره تسند علمه وتقويه. ولبيان كيفية الانتقال من الفكر إلى التفكير ومن الفلسفة إلى التفلسف نحتاج معالجة مسائل عديدة جداً أرجو لهذه المساحة الثقافية أن تكفيها وترحّب بها.